السبت، 19 أبريل 2014

قلم خوسيه مياس


وتذكرت ذات يوم وأنا عائدا من المدرسة .. وجدت منطقة عمل محاطة بسياج حديدي وقد علق العمال فانوس لكي ينبه المارة لأي خطر. لم يكن يوجد أحد غيري في الشارع فأخذت حجرة وقذفتها على الفانوس فسقط على الأرض منكسرا. وفي تلك اللحظة ظهر أمامي رجل وسألني لماذا فعلت ذلك. فنظرت له دون أن أجيب وفي النهاية قام بعمل إشارة لوم واختفى.
لماذا فعلت ذلك؟ ربما لأن والديّ كانا يقضيان الحياة في نزاع دائم، ربما لأنني كنت الأخير في الفصل، ربما لأننا كنا فقراء كالفئران، ربما لأننا كنا دائما نتعشى السلق، ربما لأنه لم يكن لدي قفازات لأتجنب برد الأصابع، ربما لأنني خلال تلك السنوات لم أرتد مطلقا قميصا وبنطلونا وحذاء وسترة جديدة، ربما لأن الله لم يظهر لي. إنني الآن وأن أتذكر ما حدث أستطيع أن أملأ صفحات “بربما” .. ولا أحد سوف يجعلني أتوقف.

كان هذا مقطعا من رواية العالم (El mundo) للكاتب الأسباني خوان خوسيه مياس. يسهل على أيّ منّا بالتأكيد أن يتلمس الحزن والسخط في كل كلمة من كلمات هذه الفقرة. هذا الرجل وخصوصا في هذه الرواية التي يقترب فيها من سيرته الذاتية بشكل به الكثير من الصدق لدرجة تدعو للتأمل. ولا أقصد بالصدق هذا الذي نختبره من خلال تأكدنا إن كانت الأحداث حقيقية بالفعل أم هي من نسج خيال الكاتب. إنما هو صدق المشاعر التي كتب بها هذا العمل. ما كل هذا الشجن الهادئ الذي يملأ قلمك يا مياس. هذه التلقائية في الكتابة عن ذاته وكأنه أراد أن يتخلص من حمل ثقيل، وكأنه وجد أنه لن يستطيع أن يكتب عن أي شئ آخر إن لم يتخلص من ذاته بالكتابة عنها.

يكتب مياس عملاً تستطيع أن تجد فيه ما يجعلك تشعر أنك لست وحيداً في هذا العالم الذي يمتلئ بالحمقى. وأن هناك من يشاركك ألمك وغضبك، هناك من يشاركك إحباطك وخوفك وفشلك. هذه الشحنة من المشاعر التي كتب بها مياس هذا العالم الفني الاستثنائي ليست شحنة مصطنعة لمحاولة إفراز حبكة درامية. هذا الرجل استطاع أن يتعدى حدود الكلمات، فتجد صورته وهو في صغره قد ترسخت في مخيلتك واضحة، تشعر بكل ما حدث معه كأنك تراه كاملا. ثم تعود لتراه وهو يتحدث عن نفسه أثناء كتابته لهذه الرواية، فيتوقف في منتصف حكايته ويقول: إنني أكتب في السادسة صباحا وهذا هو نفس الوقت الذي هربت فيه من الأكاديمية لأول مرة.

 تنغمس كليا في حكايته ولا تستطيع منع خيالك من الإنتقال في الزمان والمكان إلى حيث كانت الأحداث. ثم يحدث ما لم تكن تتوقعه، وبدون أي مقدمات تجد أن صورة مياس الطفل والكاتب تتلاشى من ذهنك ويحل بدل منها صورتك أنت. فتعيش قصة مياس كأنها قصتك أنت، وتمتلئ بألمه كأنك أنت من أصابك الألم، وتستشعر صعوبة الكتابة عن الذات وراحتها في الآن نفسه كأنك من يكتب هذا العمل.

وأما المقطع الذي وضعته في بداية المقال فقد قرأته وأنا استمع مصادفة لمقطوعة موسيقية من فيلم يدعى – Landscape in The Mist – لمؤلفة موسيقية يونانية تدعى إليني كاريندرو – Eleni Karaindrou  - ولم أجد نفسي قادرا في ذلك الوقت على فعل أي شئ سوى أن أمسح كل المقطوعات الأخرى من قائمة التشغيل وترك المقطوعة تتكرر وأنا أكرر معها قراءتي لهذه الفقرة الممتلئة بالبساطة والعمق والواقعية المؤلمة. كان الغريب حقا في هذه المقطوعة الموسيقية أنني لا أشعر متى تبدأ بالضبط ومتى تصل لنهايتها. وكأن الكون كله قد تجسد في هذه المقطوعة. فهل للكون نهاية !

لم أتوقف عن قراءة الفقرة ولا سماع المقطوعة إلا عندما عرفت عملياً كيف يمكن لدموع المرء أن تجعله غير قادر على رؤية الكلمات المكتوبة أمام ناظريه. فكانت قراءتي لقلم خوسيه مياس واستماعي لموسيقى إليني التي لاتنتهي هي حالة من النادر أن تحدث للمرء كل يوم. خاصة إن كنت قد انغمست في هذه الحالة وأنت ترى خيوط الشفق قد ملأت السماء، وكأن الشمس تبكي معك من أثر مياس فيها، وكأنها قد امتلأت هي الأخرى بموسيقى إليني!

هناك تعليقان (2):

  1. اعجبتني التدوينة محمود لم اقرأ يوماً لخوسيه مياس ،ولكن سأقرأ روايته هذه قريباً

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا يا سارة .. واتمنى باقي المقالات تنال اعجابك :)

      حذف