الاثنين، 24 نوفمبر 2014

هاروكي موراكامي .. لا أعرف لم أنا مشهور!





في سبتمبر الماضي، وبعد أن قابلت هاروكي موراكامي بلندن، أخذت جولة بداية من بيكاديلي إلى واتر ستون، حيث يمكنك أن ترى عاصفة الشهرة التي تلاحق أعمال موراكامي بمكتبات في هذه المناطق العريقة. بالطبع أنا أعرف أن موراكامي اسم كبير في اليابان. فلقد تهافت معجبيه وقراءه على اقتناء ما يزيد عن المليون نسخة من آخر أعماله "تاسكورو تزاكي عديم اللون وسنوات حجه"، وهي روايته الثالثة عشر في أول أسبوعين فور صدورها. ولكن حتى في لندن، فالأثر الذي يتركه يبدو أنه ليس ببعيد عن الحال في اليابان. فالمئات من القراء اصطفوا في طوابير من المساء منتظرين أن تفتح المكتبات أبوابها صباح اليوم الذي أعلن أنه ستتاح فيه الترجمة الإنجليزية لعمله الجديد بكافة مكتبات لندن. وباستثناء ج.ك.رولينج، قال أحد أصحاب المكتبات: أنه لم يكن هناك زحام بهذا القدر من قبل سوى عندما جاء كتاب "ديفيد بيكهام". ربما هذا يوضح لنا حجم الدهشة التي اعتلت أوجه الكثير من البريطانيين الذين راهنوا على فوز موراكامي بنوبل هذا العام ولكنهم في النهاية خسروا رهانهم.

إنه لمن الصعب حصر شعبية هذا الأديب الذي أصبح بمثابة نجم، في الوقت الذي يتحلى فيه بالكثير من التواضع وعدم الادعاء وهو في الخامسة والستين من العمر، عندما قابلته في غرفة اجتماعات مجلس إدارة دار النشر الوكيلة عنه. في رأيي، يبدو موراكامي أصغر بعقد من سنه الحقيقي. هذا الأمر نتيجة النظام اليومي الصارم الذي يضعه لنفسه حيث يبدأ اليوم بفترتين للجري والسباحة. يقول "لأكثر من ثلاثين عام أجري كل يوم نفس المسافة تقريبا التي كنت أجريها وأنا أصغر، ولكن الأحوال اليوم تبدو أنها آخذة في السوء". هو شخص اجتماعي ومهذب كما أنه يميل للصمت، يبدو هذا عليه بشكل واضح. والأمر هنا مختلف عن المقاطع المثير للعاطفة التي تتضح بسهولة في أعماله الروائية. يقول "كل شئ عبارة عن سيرة، ولكن في الوقت نفسه فأنا أغير كل التفاصيل عندما أكتب عمل روائي. من ناحية أخرى، فأنا أتطلع دائما لمعرفة ما سيحدث في الكتاب القادم، هذا الامر يساعدني على إيجاد إجابة على السؤال الذي يؤرقني حول سبب وجودي هنا في هذه الحياة". الشئ المقلق بشكل أكبر ربما يكون الحديث معه حول أن انطباعات القراء عن أعماله تنحصر في تصنيف أعماله على أنها ماورائية، غرائبية. يقول وهو يهز كتفيه مستهجنا  "الأمر ليس كذلك، إنها عفوية للغاية، أنا أكتب ما أود أن أكتب. وسوف أكتشف ما أود أن أكتب أثناء عملية الكتابة".

آخر أعمال موراكامي التي ترجمت إلى الإنجليزية هي "المكتبة الغريبة". وهو كتاب ساخر ظهر لأول مرة كقصة قصيرة في مجلة يابانية منذ ثلاثين عاما، وقد تمت مراجعته عام 2008، والآن يتم العمل على طباعة ترجمته إلى الإنجليزية ليكون متاحا في الأسواق، ليظل اسم موراكامي موجودا على أرفف المكتبات. وقد أضيف إلى الكتاب رسومات مستوحاة من كتب قديمة بمكتبات لندن العريقة. ومثل الكثير من أعمال موراكامي، "المكتبة الغريبة" غرائبية ولاذعة السخرية وبها شئ من روح شريرة. كما أن مسارات الأحداث فيها غير واضحة، ومن الممكن القول أنها قصة سريالية موجهة إلى الشباب ولكن عبر أحداث بها الكثير من الوحشية والفقد. حدث هذا عندما كان يزور طفل مكتبة ما ليبحث عن كتاب عن الضرائب في العهد العثماني. هذا الطفل الذي لم يذكر اسمه طوال القصة يتم اختطافه وحبسه في مخازن المكتبة من قبل رجل عجوز غاشم وكلب مريع. ليظهر بعد فترة من الوقت، شخصية غريبة وغامضة تدعى "راعي الغنم" وهو شخصية تكررت أكثر من مرة في أعمال أخرى لموراكامي. يأتي هذا الرجل لزيارة الطفل وعمل كعك الدونتس من أجله، كما تظهر فتاة بكماء يتم التواصل معها بإشارات اليد. وفجأة ينتهي كل شئ وسط أجواء من العزلة والحزن.

وبشكل بسيط كما هي طبيعتها، تتشارك "المكتبة الغريبة" مع باقي أعمال موراكامي مجموعة من ملامح والخواص المميزة. ليس فقط "راعي الغنم" الذي يظهر في القصة. ولكن أيضا فكرة بطل الروية الذي يجد نفسه فجأة في عالم كافكائي(درامي)، كما تجد أيضا المرأة ذات الروح الغامضة التي تسعى للإيقاع بالبطل. بالإضافة إلى ولع موراكامي الدائم بعوالم ما تحت الأرض. الأمر الذي يُظهر ثيمة استكشافية محببة لمعجبين وقراء موراكامي، حيث تتجلى اللمحات الماورائية المخترقة لحجاب الزمن لتُحدث أثرا في الهواجس المتكررة لشخصيات رواياته المختلفة. وبالطبع يخرج القارئ من العمل بقوائم من موسيقى الجاز، وأنواع متعددة من الاسباجيتي.

ولكن موراكامي باعترافه يقول "أنا لست الرجل الأمثل الذي يأتي من أجل تنوير أوروبا وأمريكا، الناس يقولون عن كتاباتي أنها نوع من كتابات ما بعد الحداثة، أو أنها تنتمي للواقعية السحرية. ولكنني لست مهتما بمثل هذه الأشياء أو التعريفات. فأنا لا أعد نفسه قارئ عتيد لتوماس بينشون أو أي من كتاب ما بعد الحداثة المعروفين".

أسئله: أي أنك لا تتفق مع من يقول أنك تنتمي لعالم الواقعية السحرية؟ فيقول "ربما، أنا أحب ماركيز، ولكنني لا أظن أن أسلوبه في الكتابة هو ما يدعى "واقعية سحرية". أتعلم، إنه مجرد أسلوب في الكتابة. بالنسبة لي، أتوقع أن ماركيز كان يكتب عن واقعيته هو، وأعتقد أنني أقوم بالشئ نفسه. فأنا أكتب عن واقعيتي، عالمي الحقيقي. لو حدث شئ ما غير متوقع، يبرهن ذلك على أنني أقوم بعمل جيد، شئ يستحق أن نعتبره عمل حقيقي. لذلك، لو أن "راعي الغنم" ظهر في عمل لي، يكون هذا الأمر قد حدث بحق معي. أتعلم، لا رمزية هنا، لا مجازات، فقط أنا وهو".

ولكن الشخصيات الرمزية التي تأتي من عالم الموت حقا رائعة. منذ وقت قريب، وقبل أن نتقابل، أخبر موراكامي مستمعيه في احتفال بأحد كتبه أن حلم حياته أن يجلس في قاع بئر. يقول وهو يهز رأسه موافقا "نعم، لقد أخبرتهم بذلك، دائما ما اعتدت على أن أشعر أنني أذهب إلى أماكن مظلمة عندما أشرع في الكتابة. فقط في الظلام استطيع أن أرى حكايتي. لا أظن أن لدي موهبة خاصة أو استثنائية. لا أفكر في الأمر على هذا النحو. ولكنني أذهب أسفل في الظلام واتسائل: أممم.. وماذا بعد !! .. أه .. وهكذا .. "

يسكت قليلا ثم يقول وعلى وجهه إشراقة  "الأمر يشبه الولوج إلى بدروم منزل ما، ولكن في حالتي أدخل إلى بدروم داخل بدروم. الكثير من الناس تستطيع أن تمكث في بدروم منزل، ولكن في حالتي فأنا أذهب إلى بدروم بداخل هذا البدروم". ينظر إليّ وعلى وجهه شئ من الحزن ويكمل "إنه مكان مظلم للغاية، لذا عندما كتبت The Wind Up Bird Chronicle  -وهو كتاب رائع لموراكامي- كتبت عن البطل الذي يجلس في قاع بئر عميق، حيث العتمة والعزلة والصمت التام. هذ ما أفعله وأشعر به وأنا أكتب رواياتي".

تحليل وتفكيك المل في رأيه مهمة الكتاب كما هي مهمة القارئ، يقول "شعفي الأساسي هو كتابة الروايات والقصص. أفعل ذلك لكي أعرف من أنا، إنني في الخامسة والستين من العمر، ولكني ما أزال لدي فضول لمعرفة من أكون وماذا يمكن أن أجد في نفسي، وإلى أي شئ سوف أصير؟ أتعلم، أنا شخص مشهور نوعا ما، لقد بدأت مشواري مع الكتابة منذ أكثر من 35 عاما. بشكل ما أنا ناجح ولدي قراء على مستوى العالم، ولكنني لا أفهم لماذا يحدث هذ لي. إن الأمر يشبه المعجزة في وجهة نظري. فأنا لست شخص عظيم، أو ذكي أو موهوب، ولكنني أكتب، فقط أود أن أعرف لماذا يحدث هذا لي وليس لآخرين، فقط يحدث لي!"

أما قراء موراكامي ومعجبيه، فلديهم رغبة حقيقية في مساعدته على معرفة ذلك. عندما كتب رواية "كافكا على الشاطئ". تصفح موراكامي موقعه ليرى كيف وجد القراء الرواية وما هي أسئلتهم حولها، يقول "أشعر أن الأمر يكون أفضل عندما يكون ديموقراطي. لدي رغبة حقيقية في التحدث إلى قراءي، ولكنني أصبحت أشعر بالإنهاك أسرع مما مضى، فأقول: هذا يكفي. أظن أن الفهم الحقيقي هو تراكم من سوء الفهم متتالي. هذا هو ما اكتشفته. كل قارئ يرسل لي أراءه، والكثير منها ليست أراء صحيحة في وجهة نظري، هم بشكل أو آخر لم يصل إليهم ما أردت إيصاله. ولكن عندما أقرأ رسائل آلاف القراء أقول لنفسي: نعم، إنهم يفهمونني. لهذا أنا أثق في رأي مجموع القراء، ولا أثق في رأي كل قارئ على حدة".

يقول " الرواية تبدأ معي من فقرة، جملة، منظر طبيعي أو لقطات من فيديو. أجد نفسي أرى المشهد الذي علق في ذهني مئات المرات بل أحيانا آلاف المرات كل يوم. وفجأة أقول لنفسي حسنا، سأكتبها". يجد أن الكتب مثل سيمفونيات بيتهوفن التي تتكون من نغمات ذكورية عريضة وأخرى أنثوية حادة.  ويجد أن القصص القصيرة تقع في منطقة ما في المنتصف بين هذين النوعين. يقول "استطيع استخدام أصوات متعددة، أشخاص، أساليب حياة، وأنا أستمتع بذلك. وفي الوقت نفسه هو نوع من التدرب بالنسبة لي".

حسنا ماذا أيضا، يقول "لا أفكر في نفسي على أنني مبدع، ولكنني أعشق الروتين المحدد وألتزم به. مهما كنت محبطا، وحيدا، أو حزينا، روتين العمل المحدد يساعدني على التخلص من كل ذلك، إنني أحب ذلك حقا. في الحقيقة، أفكر في نفسي على أنني مهندس أو بستاني، أو شئ من هذا القبيل، لا أفكر في نفسي أبدا كمبدع، يبدو هذا ثقيلا للغاية بالنسبة لي، لست هذا النوع من الناس، أنا فقط ألتزم بروتين العمل الذي وضعته لنفسي. إنني أركض كل يوم منذ أكثر من ثلاثين عاما، إن هذا الأمر أعطاني شئ ما خاص للغاية. لو فعلت الشئ نفسه لمدة ثلاثين عاما فبالتأكيد ستصل لشئ".

يقول "سأشرع في العمل على كتابي الجديد، بنهاية هذا العام، ولكني لا أعلم عن أي شئ سوف يكون، هناك بعض الأفكار في ذهني، هناك أيضا الكثير من الفقرات في درج مكتبي، ربما يكون الكتاب القادم كبير نوعا ما".
ثم أضاف بشئ من الحسم "ربما يكون كتاب مغامرات!"

رواية "تاسكورو تازاكي عديم اللون وسنوات حجه" متاحة الآن بالمكتبات، و"المكتبة الغريبة" ستكون متاحة بداية من 2 ديسمبر 2014.



مقال لـ تيم مارتن بصحيفة التليجراف
ترجمة: محمود حسني
 نشرت الترجمة بعدد جريدة القاهرة بتاريخ 18 نوفمبر2014

السبت، 22 نوفمبر 2014

جوانتنامو .. هل حققت حلم يوسف زيدان

https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEj0G_00UnTn4w7SdHUQGtl7x2O8d7DoHsEj_zEZt367jKnvizA7_DzW8DEkQv3Mjzxla2soNka33L_4bQI-oxb2GtFoGdwXT83AHdt5ggaz8aPArF-VqqAn0VYdbK3Hay3OJ12HUnCuB4M/s1600/%D8%AC%D9%88%D9%86%D8%AA%D9%86%D8%A7%D9%85%D9%88+%D9%84%D9%80+%D9%8A%D9%88%D8%B3%D9%81+%D8%B2%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%86.jpg 


"جاءتني فكرة جوانتنامو من إعجابي بـ "العجوز والبحر" لهيمنجواي وأنا في المرحلة الإعدادية. وحلمت بأن أكتب عملا كهذا يوما ما، حتى كتبت جوانتنامو." هذا ما قاله زيدان عن آخر أعماله. فهل حقق يوسف زيدان حلمه القديم بعد أكثر من أربعين سنة؟

"ما الأسر إلا استيلاء على جسم سجين ولكن لا سبيل لحبس الأرواح" 
بهذه الكلمات استشرف يوسف زيدان على لسان الشاب النوبي بطل روايته "جونتنامو" الحكي عن حياته في المعتقل على مدار سبع سنوات رأى فيها الكثير. اعتمد يوسف زيدان الحكي الجواني للبطل في جوانتنامو كأساس للعمل. وهو، كما يرى، شيئا يحدث للإنسان عندما يتعرض لظروف عيش قاسية، فيكون هذا الحديث الداخلي في نفس البطل والاستناد إلى آيات القرآن وتأملها كمساعد ومعين على البقاء –روح حي بن يقظان تظهر هنا- ولكن هل آليات البقاء هذه من الممكن أن تجعل من إنسان بسيط الفكر يتأمل ويتفكر على طريقة كبار الصوفية وبعمق رؤاهم؟ هذا ما يمكن أن يكون أحد محاور النقاش.

كما يمكن أن يكون أصالة التعبير عن حالة المسجون محورا آخر. فهنا الكاتب يقول أنه بنى ما يشبه المجسم لمحبس البطل واعتزل فيه ولم يرد على الهاتف أو يقابل أي شخص وعاش على كسرة خبز والقليل من الطعام حتى يصل لإحساس البطل.

فهل من الممكن لمن قرأ تلك العتمة الباهرة للطاهر بن جالون أن يتخيل أنه من الممكن على الكاتب أن تتجلى في روحه حالة المسجون ليخط قلمه سردا يبكي الأعين وهو لم تطأ قدمه سجنا؟ إنني اليوم أريد طرح أسئلة ولن أسعى وراء إجابات، اليوم أريد أن نتفكر ولا أن نتسرع في إيجاد إجابة دون تأمل.

من الممكن أن يكون يوسف زيدان باحث رائع في التراث من القبطية إلى الصوفية. وليس لأحد أن ينكر مساهماته في تحقيق العديد من المخطوطات أو الأعمال الفكرية مثل اللاهوت العربي وأصول العنف الديني. ولكن كونه روائي، يهتم بالحكي والوصف والسرد ويجعل القارئ يشغف بما هو آت في حكايته، كونه يجعل أنفاسنا تتوقف أو تتسارع، فهذه الأمور يمكن الأخذ والرد فيها. ولن أتحدث هنا عن عزازيل لأنها استثناء.

ولكنني أريد الحديث عن جوانتنامو، فبلغة يعرف قارئيه كم هي جميلة وعذبة يحكي يوسف زيدان. ولكن اللغة في النهاية هي اللبنات التي نصنع منها البناء. فمن الممكن أن تكون الغزارة اللغوية للكاتب مدهشة ولكنه لم يتمكن من تشكيل بناء روائي متماسك متناسق من خلالها.

من الممكن أن نجد الحديث الجواني لبطل العمل يسبب الملل للقارئ لتكرار بنيوية الحكي بنفس الهيئة في أكثر من موضع. فنجد البطل ينام ويصحو ليناقش ذاته ويحاورها بنفس ذات الأفكار وتجلياتها وكما لاحظنا من قبل ليس من المفهوم أن يصبح فكر شاب سوداني بسيط في خلال سنوات قليلة قادر على تأمل تجليات وأفكار تعتمل بداخل نفسه على طريقة عبدالكريم الجيلي وابن عطاء السكندري.

أما الغريب حقا هو ظهور شخصية المرأة في هذه الرواية على هيئتين متضادتين، وكأنه يتبع المقولة الصوفية الشهيرة: الأمور لا تعرف إلا بتضادها. ربما هذا يؤكد على أن الحكيّ الجواني لم يستطع أن يملأ قلب الرواية فاحتاج يوسف زيدان إلى علاقات خارجية مع امرأتين وإسقاطات على سياسات أمريكا حتى يحدث تنوعا وثراءً للعمل.

ولهذا تساءلت في البداية: هل حققت جوانتنامو حلم يوسف زيدان بأن يكتب شيئا مثل العجوز والبحر التي اعتمدت بشكل شبه كلي على الحكي عن شخص واحد بلسان ذلك الشخص وهو يصف صراعه طوال رحلة سيده وبتكثيف مدهش؟ إجابة هذا السؤال لا أظنها بنفس بساطة طرحه.

هذا الإرباك الذي أحدثه العمل يدفعني لاستحضار مقولة العقاد: حتى الكتاب السىء استفيد منه، فبقراءته اعلم كيف يمكن أن تكتب كتب سيئة. فثيمة الحكاية هنا مستهلكة لأن ما تسرب عن التعذيب في سجن جوانتنامو وغيره من السجون التي يديرها الجيش الأمريكي جعل يوسف زيدان في موضع يحتم عليه أن يأتي بجديد وهو يتحدث عن سنوات الحبس لبطل العمل في جوانتنامو. فهل استطاع يوسف زيدان أن يفعل ذلك؟ لا أظن.
 

الاثنين، 17 نوفمبر 2014

عن المرأة التي حاولت الهرب منها وفشلت







أشعر بالتيه في خضم بحثي عن عنوان لنصِها. كلما استعاد ذهني صورتها، أحاول لملمة شتات نفسي. أنا الذي ذهب للموت مرتين، وعندما هرب في الأولى، لم يتحمل وطأة العيش، ولم يجد معنى لتلك الحياة بدون الموت متشبعا بالنسيم الذي يحمل قبسا من عطر شعرها.



عدت طالبا الغفران، ويدي لا تزال ترتجف، وخط القلم يفقد استقامته. هي التي أخذت محل إيزيس وعشتار. تغفر لي، تتنزّل عليّ، فتجعلني دكّا، تضع يدها في يدي، فيتلاشى الكون كله، الربّة تضع يدها في يد المتعبد إليها في عزلته ويأسه. كيف يمكن لروحها متمثلة في لمسة من يدها أن تصيب الكون بغتة بالصمت والخشوع. كيف يمكن لتجليها، في هذا الجسد الضئيل والشعر الكثيف، والعيون التي لم أر يوما ما هو أعمق منها، أن يتملك أوردتي وحواسي. كيف لهذه الابتسامة أن توقف نبض قلبي، أن تُميتني ثم تحييني.



أتمالك ذاتي، أصرّ على أن أكون ندّا، ولكن كيف يمكن أن أصمد وإيقاع خطواتها يذيبني ويصيبني بالدوار.



تقرر بعد ما يقرب من ثلاثين دقيقة أن تتصاعد من حيث أتت، أن تتوارى خلف الغيوم، أشعر بالتيه، أكاد أفقد وعيي، ربة الكون ستترك يدي، من سيرشدني وسط قبح هذه الحياة! اسمع نبض قلبي يكاد يمزق ضلوعي. أرجوها، يكاد جسدي النحيل أن يمسّ الأرض تضرعا. أقول لها: لا تذهبي، فلم يزدني الوِرد منكِ إلا عطشا. أنا الحلاج الذي كفر بكل شئ سواكِ، أنا الحلاج الذي لم تزده رؤيتك إلا عطشا إليكِ.



ترتجف يدي.. يسقط القلم .. أحاول الإمساك به .. أكتب.. يفقد الخط استقامته



أما هي، فلا تنصت إليّ، تذهب، تتركني. هل يمكن للمتعبد أن يذوب حبا في ربته؟ هل يمكن أن يسئلها: هل تدركين ما يعتمل بداخلي؟ هل ترين لون عيني الذي لم أعد أعرفه من فرط حيرتي؟ هل تشعرين كم يتوجس قلبي خيفة من أن يكون عشاقك كُثر؟ من أن يكون قربك مني عطفا وليس شغفا! صارحيني، أريحيني، هل نظرة الشغف التي رأيتها اليوم في عينيّكِ حقيقة؟ أم أن ما يجيش بصدري قد أصابني بالجنون!



يختلج قلبي .. ترتجف يدي .. يسقط القلم .. أحاول الإمساك به .. أكتب.. يفقد الخط استقامته



خذي بيديّ .. انظري لعينيّ .. قولي لي أن وجودك ليس عطفا ولا شفقة .. بل شغفا خالصا .. قولي ذلك أو أنزلي نصلك وأخبريني وأنتِ تضعين رأسي تحت مقصلتك، بأن قلبك ليس لي ..

الاثنين، 10 نوفمبر 2014

عندما يكتب سلفادور دالي ..



عندما يكتب سلفادور دالي .. حديث عن يونس بن عمارة

أو

ماذا لو احتوى عقل واحد على كافكا وبورخيس وجاك دريدا

تنويه: هذا نص رسالة سأبعث بها ورقيا خلال أيام مع كتب سلسلة الجوائز إلى يونس بن عمارة – الجزائر
 


أكتب لك يا يونس ولقارئ خفي ..

كتاباته قليلة .. مكثفة .. مجنونة .. لا تخلو من لمحة عبقرية مميزة.. في روح قلمه شئ لم اختبره أو أجده عند أي ممن قرأت لهم.. ربما لهذا قلت أنه سلفادور دالي لو قرر أن يكتب..

يونس .. كيف هو حالك يا أخي .. ولو أن هذا السؤال يمكن أن تجيب عليه بعد ثواني من إرساله على فيس بوك .. إلا أنني لا أستطيع أن أمنع نفسي من أن أكتبه إليك في رسالتي هذا ..

عرفت يونس عندما قرأت له مراجعة كبيرة حول نوفيلا "نعاس" لـ هاروكي موراكامي.. ثم بعدها وبترتيب قدري غامض نعمل على ترجمة مجموعة قصصية لموراكامي، عندما كنا في الأصل نتحدث عن مشروع لترجمة حكاية السيد زومر لباتريك سوزكيند التي لم تترجم إلى العربية حتى الآن ..

كافكا في خيباته وذعره .. بورخيس بخيالاته وجموحه .. جاك دريدا في حنقه وعمقه .. حسنا .. ها أنا أجد أنهم يجتمعون في شخصك .. ماذا ينقصك يا رجل لكي تتفرغ للكتابة! .. ينقصه الدعم المادي يا سادة .. ينقصه الاستقرار النفسي .. ولو أننا عملنا على توفير الاولى ربما نسهم بشئ في حدوث الثانية ..

أحببت دائما نقاشاتنا .. دائما ما تصل بنا إلى التساؤل حول معنى الحياة .. التساؤل الذي سأله تيري إيجلتون في كتابه العظيم –معنى الحياة- .. مهما كانت بداية نقاشاتنا (حول فن الرواية .. الحب .. المستقبل .. الفلسفة.. الأزمات اليومية التي نعاني منها وتشوش عقلنا) لابد أنها تتقاطع كلها مع هذا السؤال بشكل أو آخر ..

كنت أول من أفكر فيه عندما أجد أن إشكالية ما تحتاج إلى أن أبوح بها كي تظهر جوانبها ..

ينتمي يونس لمجتمع تطغى فيه روح الصحراء .. وانتمي لمدينة يخنقها الزحام والتلوث .. يتجاهل الفرنسية التي تعد أحد أعمدة الحياة في المغرب العربي .. ويصمم على الترجمة من الإنجليزية .. أتجاهل علوم الحاسب وهندسة البرمجيات وأصمم على الكتابة والترجمة .. وماذا بعد يا رجل .. إلى أي شئ سوف يقودنا هذا التيار المدوخ يا رفيق .. لا أعلم .. ولا أريد أن أعلم .. تعنيني الرحلة اليوم أكثر من موضع حط الرحال ..

نسعى لإخراج ترجمة حكاية السيد سومر للنور عن طريقة تضافر ترجمة نشارك فيها سويا .. نريدها مجانية ومتاحة على الانترنت وإن أمكن ورقية بسعر رمزي .. لا نريد من وراءها مكسب مادي على الرغم من احتياجنا إليه .. نريد خوض المغامرة متخففين من كل الأعباء .. أن نرى كيف سيكون المنتج النهائي لمّا تضع أكثر من يد تفهم بعضها البعض جهدها لإنجاز النص نفسه ..

أود أن أسافر إليه أو يأتي إليّ .. أو الذهاب معا إلى مكان ما .. سيكون خيرا إن تمكنت من لقاءك يا رفيق ولو لأيام معدودات .. سيعينني هذا نفسيا على تحمل وطأة الوجود ..

يونس .. سيكون العربي الذي لا يشبه إلا نفسه .. أرى ومضات ذلك مهما كان طريقه طويلا ..

قلبي الذي لا يتوقف عن طلب الخير لك يرجو أن يحل عليك السلام والسكينة يا رفيق الدرب وأخي الذي تفصلني عنه صحراء إفريقية الشاسعة ..

محمود حسني

10 نوفمبر 2014