السبت، 12 أبريل 2014

مشكلة الأفكار ومسؤولية المثقف



إن القضية الإجتماعية في عالمنا العربي والإسلامي تكاد تكون واحدة. فبين حنين إلى الماضي بما يشمله من آراء وأفكار فقهية إجتماعية من جهة، وبين الإنجراف لتيار الأفكار الغربية بكل ما فيها أحيانا من تناقضات فكرية من جهة أخرى. فلقد اعتدنا  على الأخذ من مجتمعاتهم دون التفكير بعمق أو حتى محاولة تنقيح أفكارهم التي هي جزء أساسي من موروثهم الثقافي والذي يختلف عن موروثنا. لم ندرك حقيقة أنه من المهم أن نتعلم منهم ما يرفع من شأننا دون التشبث بقشور حضارتهم والتي غالبا ما تُحدِث تشوهات في نظرتنا لموروثنا الثقافي. ومن هذه النقطة تحديدا انطلق الكثير من المفكرين العرب والمسلمين يكتبون الدراسات والأبحاث والأطروحات التي يجدونها قد تصلح لأن تكون تحليلا لمشكلة الأفكار في مجتمعاتنا ومن ثم يمكننا السعي في إيجاد الحلول المناسبة.

 ومن وسط كل تلك الكتب والدراسات يلفت انتباهي كتابان أعتقد أنهما على درجة من الأهمية ليست بقليلة وهما:

مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي لـ المفكر الجزائري مالك بن نبي

مسؤولية المثقف لـ عالم الإجتماع الإيراني علي شريعتي


يتناول مالك بن نبي في كتابه قليل الحجم كثيف الأطروحات ما حدث للأفكار الموجودة في العالم الإسلامي وما لاحظه من إنحدار الضمير الجمعي للمجتمعات الإسلامية وما أدى إليه ذلك من تدهور للقيم والأخلاق و ظهور شقاق بين المظاهر الدينية والعبادات من جهة وبين الأفكار والمبادئ التي يدعو إليها الدين كالعدل والحرية وطلب العلم والوقوف في وجه الظالم بالإضافة إلى حسن المعاملات الإجتماعية عن طريق الصدق والإخلاص وإتقان العمل من جهة أخرى. يلفت انتباهنا إلى أن بذرة الشقاق هذه قد ظهرت لأول مرة عندما قال عقيل أخو علي بن أبي طالب: إن صلاتي وراء علي أقوم، وطعامي عند معاوية أدسم. فتحول الأمر هنا من الإلتفاف والتمركز حول أفكار ترتقي بنا، إلى التمركز حول أشخاص يشبعون حاجاتنا المادية كمعاوية مثلا.


وبنقلة سريعة إلى العصر الذي نعيش فيه، يجعلنا مالك بن نبي نرى أن هذا النموذج موجود حتى الآن في الدولة الإسلامية على هيئة القائد والزعيم الملهم. ولأن هذا النموذج ما لبث أن أثبت فشله في مختلف دول العالم الثالث وليس فقط دول العالم الإسلامي، نجد الناس بدلاً من أن تنتفض مستيقظة من غفلتها مراجعة ذاتها لتعود مرة أخرى للتمركز حول الأفكار والمبادئ، تراهم ينحدرون أكثر ليصلوا لمرحلة ما بعد الحضارة والتي تتحول فيها المجتمعات من مجتمعات منتجة فكريا إلى مجتمعات إستهلاكية يعيش فيها الناس مع بعضهم البعض على أرض واحدة دون أن يربط بينهم أي رابط فكري أو إجتماعي، نجدهم يتمركزون فقط حول احتياجاتهم للأشياء. فكل ما يهم المجتمع في هذه المرحلة “ما بعد الحضارة” أن يجد حاجاته الأساسية “الأشياء” دون النظر إلى مصدر تلك الأشياء أو دون النظر إلى الطريقة التي يحصل بها عليها أو حتى دون النظر لأهمية هذه المنتجات الإستهلاكية وهل هو يحتاج إليها حقا أم لا. وهذه هي النتيجة الطبيعية لإختفاء الروابط الفكرية بين ابناءالمجتمع الواحد.


ولضعف التعليم وانحدار الوعي العام وتدهور الحركة الثقافية في المجتمعات العربية والإسلامية بالإضافة إلى الاستبداد السياسي والفساد الحكومي وما يترتب على كل ذلك من تبعية اقتصادية وسياسية لأنظمة غربية مختلفة، نجد رؤساء البلاد والحكومات العربية والإسلامية يتشبثون بالنماذج الإقتصادية الغربية. نجدهم حائرين بين كارل ماركس من جهة وآدم سميث من جهة أخرى، يميلون للإشتراكية تارة ويركنون للرأسمالية تارة أخرى، وياليتهم يستطيعون تطبيق تلك النماذج بشكل فعال، ففي كل مرة يأخذون من الفلسفات الإقتصادية شعاراتها دون مضمون حقيقي. وعند التطبيق الفعلي لا يحاولون حتى ملائمة تلك النماذج الإقتصادية لطبيعة مجتمعاتهم ودون دراسة حقيقية لجدوى تطبيق فكر ما.


وينتهي مالك بن نبي في كتابه الواجب قراءته بحتمية البحث عن نموذج إقتصادي إجتماعي ليس بالضرورة أن يكون منتميا لأي من مدرستي كارل ماركس أو آدم سميث.

 ومن نقطة تقترب كثيرا من هذه الفكرة ينطلق علي شريعتي في كتابه “مسئولية المثقف” فيوضح كيف يمكن لنموذج إجتماعي أن يكون صحيحا في ظروف زمانية ومكانية وثقافية معينة ولا يصلح هذا النموذج في ظروف مختلفة عن تلك الظروف التي نشأ فيها ويُبرِز حركة الإستنارة في أوروبا كمثال على ذلك. فنعود معه لمناقشة القضية الإجتماعية وتطورها، فيحثنا هو أيضا على السعي لإيجاد النموذج الإقتصادي/الإجتماعي الخاص بنا، وأن ندرك في سعينا هذا أن دراسة المجتمعات الإنسانية تختلف عن دراسة علوم الطبيعة والرياضيات، وأن محاولتنا لفهم طبيعة البشر تختلف عن محاولة فهمنا لطبيعة الأرقام والمعادلات الرياضية الجامدة. ثم يذهب في توضيح مسئولية المثقف اتجاه مجتمعه بشئ من التفصيل، بعد تعريفه في بداية الكتاب بالمقصود من مصطلح المثقف وكيف تطور مع بداية حركة الإستنارة في أوروبا حتى وصوله إلينا، فيضع على المثقفين جزءاً كبيراً من مسئولية تدهور وعي عامة الناس. يحثهم على محاولة تحفيز الوعي الجمعي لكي تنمو الحركة الثقافية والإجتماعية داخل بيئتهم، ليتراكم الفهم وتظهر قدرة العامة على التعبير عن عدم الرضا من الأوضاع التي يعيشونها، فيحدث التدافع المنشود والذي ينتشل المجتمع من الركود والبلادة ويجعله يبحث عن غد أفضل.


فمتى يا ترى سنبدأ في محاولة فهم مجتمعاتنا ومشاكلنا بشكل حقيقي ومن بعدها يمكننا البدأ في البحث عن النموذج الإقتصادي/الإجتماعي الذي يرتقي بنا لمستوى الرفاهية وفي الوقت نفسه يلائم ويحترم موروثنا الثقافي والفكري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق