الخميس، 21 أغسطس 2014

تاريخية الإبداع .. عند موزارت وهيكل وتشيكوف



عندما تقرأ لتشيكوف والذي يعد علامة مفصلية في تاريخ القصة القصيرة، ستفهم لماذا ليس هناك اختلاف بين الأكاديميين على أهمية دوره في تطوير القصة القصيرة كشكل من أشكال الحكيّ الأدبي. فالرجل تناول شخوص وأحداث قد تبدو في الوهلة الأولى عادية وليس فيها ما يميزها، ليرتقي بها، بأسلوب أدبي هادئ، إلى مستوى أعلى من الناحية الأدبية.

والحال نفسه مع الكاتب والمفكر والأديب محمد حسين هيكل، والذي يعد أول عربي يكتب الرواية (زينب – 1914). والتي يعتبرها النقاد والمفكرين نقطة انطلاق الأدباء العرب في فن الرواية. على ناحية أخرى، تجد أن موزارت يعود له الكثير من الفضل في وضع أسس وخطوط عامة تتبعها من بعده موسيقيين جيله والأجيال التي تليه مثل بيتهوفن وغيره. ولا يختلف أحد على أن أهمية موزارت في الموسيقى لا تقل عن أهمية تشيكوف في القصة القصيرة أو أهمية هيكل في الرواية العربية.

ولكن حقيقةً الكثير من شباب القراء والكتاب والموسيقيين لا يميلوا لقراءة تشيكوف أو هيكل أو الاستماع لموزارت، حيث يجدوا أن أعمال هؤلاء العظماء يشوبها شيئا ليس هينا من الملل. وأصبح الكثير منا يتسائل عن سبب أهمية هؤلاء وكل التبجيل الواقع عليهم من الأكاديميين والنقاد.

وهنا يجب أن ننظر إلى مفهوم أهمية المبدع من زاوية مختلفة، حيث لا يقتصر الإعجاب والإشادة به من ناحية ما تحتويه أعماله وفقط، بل ومن ناحية الظرف الزمني والمكاني الذي استطاع فيه عقله أن يفرز هذه الأعمال. أي أن أهمية المبدع ليست أهمية فنية معاصرة لزمنه وفقط بل أحيانا يكون لأهميته بعدا تاريخيا لما مثله من دور في إحداث نقلة نوعية أو طفرة استثنائية في تاريخ التطور الإبداعي للعقل البشري.

ومن السهل ملاحظة أن تشيكوف وهيكل وموزارت كان لديهم غزارة في الإنتاج الإبداعي، وبالأخص عند تشيكوف وموزارت بالمقارنة مع عمرهم (موزارت 35 عاما - تشيكوف 44 عاما).  وهنا قدر قد يتبادر إلى الذهن سؤال عن غزارة الإنتاج وهل له ارتباط حتمي مع الابداع. وقد يجد البعض هذا السؤال أكثر تعقيدا من الإجابة عليه.
ولكنني أجد أنه من السهل أن نرد على هذا الاستفهام بالنفي عندما يلوح في ذهننا أعمال لأدباء وموسيقيين شحيحي الإنتاج كبيري الإبداع مثل إيرنان ريبيرا ليتيلير، وأمبرتو إيكو، وأنطونيو سكارميتا وراجح داوود. فهؤلاء المبدعين سواء كانوا أدباء أو موسيقيين، ليس لهم أعمال كثيرة كالتي قد تجدها عند الحاصلين على نوبل في الأدب، أو الموسيقيين الذين تعزف مقطوعاتهم في أكبر المسارح ودور الأوبرا في العالم. ولكن غالبية من قرأ لهم أو استمع إلى موسيقاهم لا يشك في حالتهم الإبداعية الإستثنائية.

إن المبدع صاحب الإنتاج القليل لم يفكر في شئ سوى أن يفعل مع يجد نفسه مدفوعا لفعله. ولطالما كان السؤال عن الشهرة وما يصاحبها من صخب يتردد في أعماق نفسه قائلا: هل هذا هو ما أريده حقا؟ هل هذا هو ما يجب أن أفكر فيه عند الكتابة أو تأليف الموسيقى أو الرسم أو النحت. أدعي هنا أن الإجابة كانت تخرج دائما بالنفي. فجلّ ما يفكر فيه المبدع هو الأُثر الذي سيتركه ولو في فرد واحد.
إن تشعب دروب الأإبداع لا بد أن يقودنا ليقين بفكرة أنه ليس هناك معيار بدرجات محددة علميا يمكن به قياس مدى تفرد الإنتاج الإبداعي لشخص بعينه عن باقي ما يُنتج في نفس مجاله. ليس هناك علامة على أنك تسير في طريق الإبداع وعلامة أخرى تدل على إنك انحرفت عنه.

فالمبدع يمر بمراحل صعود وهبوط فكرية، ليس تقدما حتميا للأمام كالتاريخ أو الاقتصاد في بعض مدارسه، وليس ميثولوجيا بها حقائق مطلقة. ولكنه شبكة معقدة للغاية من الطرق الملتوية والطويلة والمرهقة والتي أشبه بمتاهة، حيث من الصعب تحديد عدد طرقها أو نتاج اختيار السير في أحدهم. فقط المثابرة هي ما تجعل من المسافر في هذا الدرب من التعقيدات قادراً على اكتشاف قدره بنفسه، وهي ما تجعله قادرا على أن يقترب أكثر من النفس البشرية، ليتلمس آلامها، ولتنطبع في ذهنه، مفتتا ومعيدا تشكيل وعيه من جديد مئات المرات كي يمكن لإنائه أن ينضح بما هو إستثنائي وفريد كما يفعل المبدعين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق