الجمعة، 1 أغسطس 2014

الزمن والرواية .. عند ساراماجو وميسو وفوكنر




 

يعد القالب الزمني الذي تدور فيه أحداث العمل الروائي من أهم عناصر البناء الأدبي. فيمكن تخيل السير الزمني للأحداث على هيئة خط مستقيم، أو دائري أو أشكال أخرى. ولكن ليس في مقدورك التخلي عن الزمن في السرد لأن ساعتها لن نستطيع أن نطلق على العمل الأدبي مصطلح "رواية".

فالزمن جزء من الطبيعة الأبدية للرواية، فطالما وُجِد أشخاص بينهم علاقات وأحداث تدور بينهم ومواقف تحتويهم فإن هذا يعني أن هناك زمناً ما تتحرك على قضبانه مسارات الأحداث. إن كيفية استخدام الزمن بأفضل شكل ممكن لخدمة العمل الروائي يظل حتى الآن إشكالية تواجه السواد الأعظم من الأدباء. ودائما ما كان الابتكار في استخدام الزمن له أثر كبير في بنية الرواية. فالأهم دائما بالنسبة للكاتب عندما يفكر في استخدام قالب زمني بعينه هو كيف يمكن أن يخدم هذا الأسلوب طبيعة الرواية التي يكتبها.

فنجد أن الروائي البرتغالي جوزيه ساراماجو في رواية له بعنوان "العمى" يتّبِع خطا زمنيا شبه مستقيم، شبه يومي تقريبا، تنتقل فيه الأحداث من اليوم إلى الغد ومن الغد إلى بعد الغد وهكذا دون أن يعود إلى ذكريات في الماضي إلا نادرا، وإن عاد فتكون على هيئة لفتة سريعة وليس حدثا يحكيه باستفاضة قد يُوقِف من أجله مسارات الأحداث الآنية، فلا أهمية لما كان قبل أن تبدأ حيوات الشخصيات ببداية الرواية، حيث ما يجب أن يظل عالقا في ذهن القارئ بعد انتهاء الرواية هو ما تركته الاحداث اليومية وأثرها في شخوص العمل الروائي.

قد يكون هذا الأسلوب الأكثر كلاسيكية بين الأساليب الزمنية في الرواية. ولكن عملاً مثل العمى كان بحاجة لهذا القالب الزمني التقليدي كي يتمكن من احتواء موضوع شديد التعقيد، متعدد المستويات النفسية بالإضافة لأسلوب سرد ومحادثات تنتقل بين الشخصيات والمواقف بشكل قد يمثل إرباكا للقارئ مع الشعور بغموض بعض التفاصيل وضبابيتها. كان ساراماجو بحاجة لقالب زمني كلاسيكي كي تتمكن عناصر عمله المجنونة والمثيرة من الإنصهار والتشكل على هيئة بناء روائي ملئ بالإبداع والعبقرية.

أما الروائي الفرنسي غيوم ميسو نجده في رواية له بعنوان "وبعد" قد استخدم الزمن على هيئة حلقات دائرية متشابكة تتقاطع فيها ذكريات الشخصيات مع حاضرهم. فنجده يحكي موقف يحدث لإحدى شخوص العمل ثم يتوقف عن الحكي ويترك الشخصية تجتر جزء من ذكرياتها وماضيها الذي يقف أمام عينيها وهي في قلب الحدث. هذه الطريقة في الحكي تسهم بشكل كبير في جعل القارئ يفهم ماضي الشخصية.

ومن ثم يمكنه تفهم دوافع تصرفها وقراراتها على نحو معين في حاضرها، كما أن هذه الطريقة تسهم في تجنب الكثير من الإسهاب والإطالة في الحديث عن تفاصيل الماضي غير الهامة، حيث استخدام الزمن على هيئة هذه الحلقات تجعل الذكريات ذات فائدة واضحة وغرض مفهوم وليست مجرد استرسال لا داعي له. كما أن هذا القالب الزمني يناسب رواية مثل "وبعد" حيث تتشابك علاقات الشخصيات وتتعقد تفاعلاتها مع بعضها البعض ويكون للماضي أثر كبير على أحداث الحاضر ومسارات أحداثه.

ظلت الأساليب التي ذكرتها لاستخدام الزمن في الرواية سائدة لوقت طويل حتى أتى الروائي الأمريكي ويليام فوكنر في روايته "الصخب والعنف" ليرفض ما اعتاده الآخرون، ويضفي طابعه الخاص على البناء الزمني للرواية. قد يجد القارئ أن هناك شيئاً من الرتابة أو الاعتيادية في مواضيع روايات فوكنر خاصة في الصخب والعنف، فالحكاية في حد ذاتها ليست مختلفة أو فيها ما هو جديد كما في العمى مثلا. كما أنه من السهل أن تلاحظ محدودية البيئة المكانية. ولكن يبقى الزمن العنصر الأكثر إثارة في روايته، حيث فيه يكمن الأختلاف والإبداع الخاص بفوكنر.

يكتب ويليام فوكنر الصخب والعنف بدون بناء زمني متتابع سواء على هيئة حلقات أو خطوط مستقيمة. بل الزمن في روايته ومضات كضوء النجوم المتناثرة في السماء الشاسعة. تبدو ومضات فوكنر الزمنية للوهلة الأولى متشتتة ومتقاطعة بشكل عشوائي لا علاقة لها ببعضها البعض، حيث يستمر في هذه الطريقة المرهقة للقارئ والانتحارية بالنسبة للكاتب من بداية العمل حتى نهايته. فليس هناك تتابع سردي بالمعنى المعتاد، والحكي يتمركز حول تقاطعات زمنية لمواقف مختلفة تحدث في بيئات زمنية/ مكانية متعددة.

ينتقل فوكنر بين حكاياته دون أن يوضح أو يقول أي شئ للقارئ، حيث يكتفي بانتهاء جملة في حدث ما حتى ينتقل لجملة أخرى في حدث آخر دون الإنتظار لانتهاء الحدث المنتقل منه. وقد تكون هذه الطريقة في السرد صعبة على القارئ ومربكة خاصة إن كانت الحكاية كما قلنا تقليدية ليس فيها ما هو جديد، ولكنها من الناحية الإبداعية تعد طفرة، حيث أعطى فوكنر الروائيين من بعده بدائل مختلفة لكي يستخدموا قوالب زمنية متعددة في أعمالهم الروائية.

الأربعاء، 30 يوليو 2014

التربية .. وأهمية بناء أساس جديد


تربية الأبناء مسئولية مشتركة بين الأب والأم. وليس غريبا أن نقول بأن الأم هي من تقود هذه المسئولية خاصة في مراحلها الاولى بسبب طبيعة ارتباطها الجسدي والنفسي بأبنائها من قبل أن يأتوا إلى هذا العالم.

وعلى عكس ما هو شائع فإن تربية الطفل تبدأ من اليوم الأول لولادته بتوفير أكبر قدر ممكن من النوم الهادئ له ولفترات طويل كما يقول برتراند راسل في الفصول الأولى من كتابه "في التربية". في هذا الكتاب تتالى الفصول التي يوضح فيها برتراند راسل الكيفية التي يحتاجها الآباء لرعاية أبنائهم وتربيتهم بطريقة تمكن الأب والأم من تقاسم الأدوار وتناسقها دون تكاسل أو تنازع أو إلقاء المسئولية على الطرف الآخر. إن أهم مأ ينضح به هذا الكتاب هو جعلي أتيقن من أن تربية الإنسان هي من أهم وأكثر الواجبات قدسية في في تاريخ الإنسانية.

فعلى الآباء أن يراعوا العديد من الجوانب في تربية أبنائهم. ومن بين الطرق التي تساعدهم على تنمية القدرات العقلية والمهارية لأطفالهم في عمر ما قبل المدرسة هي طرق منتسوري، والتي تساعد على تحفيز القدرات العقلية وتنمية روح الابداع والاستكشاف لدى الطفل.

كما أن هناك جانب أخلاقي في تربية الطفل وهو من أهمل الجوانب التي يجب على الآباء والأمهات أن يعملوا على غرسها في أبنائهم مهما اختلفت الأديان أو الفلسفات التي ينتمي إليها كلا الزوجين. إن الطريقة المثلى التي تمكننا تنمية الجانب الأخلاقي في نفوس أبنائنا تكمن في رؤيتهم لنا بشكل عملي ونحن نمارس الفضائل ونتجنب السلوكيات السيئة سواء كانت لفظية أو غير ذلك.

إن الآباء يخطئون خطئا كبير عندما يظنوا أنه يمكنهم تحقيق أحلامهم الشخصية عن طريق أبنائهم. لا يجب أن يكون دور الآباء تحديد ما يجب أن يفعله الأبناء في مستقبلهم أو تحديد مسارات معينة وإجبارهم على السير فيها، سواء كانت مسارات أكاديمية أو عملية. بل إن دور الآباء يتمحور حول تنشأة إنسان قادر على التفكير باستقلالية، صاحب عقلية نقدية، يمكنه تحديد موقف من العوامل المحيطة به، ويتخذ قرارات حياته وهو يعلم أنه يتحمل مسئوليتها كاملة.

إن دور الأسرة يكمن في بناء إنسان تتضافر فيه الجوانب الأخلاقية الروحية مع الجوانب العلمية المادية، إنسان لديه طموح وهدف دون أن يدهس بكموحه هذا أقرب الأقربين إليه، إنسان يجاهد نزعة الغرور بداخله ويتواضع مهما ارتقى ولكن دون أن يقدم تنازلات تحط من شأنه أو تنزع شيئا من كرامته. إننا نحتاج اليوم أن ننظر لدور الآباء بشكل أكثر عمقا وشجاعة.

فليس من السهل إعادة بناء أساس فكري جديد لمفهوم الزواج. ولا يمكن لبحث أو دراسة أو كتاب أن يقوم بهذه المهمة الضخمة وحده فقط. فمفهوم الزواج مرتبط بموروث وجذور إجتماعية ودينية وأخلاقية كثيرة. هذا الموروث دخل عليه الكثير من تحكمات العرف وضيق الأفق الذي تسبب في تشويه فكرة مؤسسة الزواج حيث أنها الشكل الأكثر أصالة لبناء مجتمع صحي مستقر نفسيا في المقام الأول.

إن ما نحاول فعله يكمن في ثنائية تفكيك القديم وبناء الجديد. نفكك سلبيات كالحة، ضربت مؤسسة الزواج في قلبها وأفسدتها وأوصلت مجتمعنا إلى ما هو عليه الآن من تصدع واضح في حياته الأسرية، ومن ثم يمكننا إعادة بناء مفهوم متكامل يمتلئ بحيوية العصر وأصالة القيم. إن نجاح البناء الأسري لا يعود فقط إلى مدى نضج طرفي العلاقة أو صلاحية البيئة المحيطة بهم بل إلى عوامل أكثر تركيبا من ذلك، وبالتالي فإن أثر هذا النجاح ليس محدودا على أفراد الأسرة الناجحة بل يمتد ليؤثر في المجتمع بشكل يمكننا أن نأمل معه أن يكون الغد أكثر حيوية ليقتل ولو شئ من ركود الواقع اليومي.

إن الدولة لابد أن تُمِكن مواطنيها  من العيش الكريم الذي يؤدي بدوره إلى التأثير بشكل إيجابي في بناء الأسرة والمجتمع. إن تكاملية العناصر التي تؤثر في شخصية المرء وترتقي به في سلم النضج الإنساني كثيرة ومتشابكة ولكننا نحاول أن نوضح جزء من أهم العوامل التي تؤثر في شخصية المرء وما ينتج عنه من أثر في طبيعة قراراته وطريقة تفكيره. إن هذه العوامل دائما ما تتداخل وتتقاطع لتشكل "دائرة النضج الإنساني". وكلما كان نصيب المرء من هذه الدائرة أكبر كلما كان هذا مؤشرا إيجابيا لزيادة نضجه. وسيظل هناك شئ ما لا نستطيع تفسيره بوضوح، يسهم بشكل فعال في هذه الدائرة.
 
 

إن مسيرة الإنسان في هذه الحياة يلتبسها الكثير من الغموض والارتباك والتردد. وكلما زادت حرية المرء كلما كان أكثر مسئولية اتجاه القرارات التي يتخذها. وهذا هو ما يجب أن نسعى إليه. أن يكون المرء حرا، قادر على تحمل مسئولية اتخاذ قرارات حياته ومن ثم يمكنه اكتشاف دربه في هذه الحياة بعمق أكبر ولو كان بجهد أكثر.