الثلاثاء، 26 أغسطس 2014

دائرة السينما والأدب .. بين الأرض والفيل الأزرق



لم يكن لكثير من الأعمال الأدبية أن تشتهر وتأخذ موقعها في ذاكرة مجتمعنا إلا عندما قدمتها السينما. فهي أقرب الفنون إلى الإنسان العادي، أي الشخص الذي نادرا ما تجد أشكال الأدب والفن تشغل حيزا كافيا من وقته. وتزداد قيمة ما تنتجه السينما عندما تعتمد في بناء أفلامها على الأعمال الروائية الفريدة، ولا أقصد هنا الانتقاص من السيناريو السينمائي المخصص لعمل بعينه، ولكنه اعتراف بأن الأدب أسهم بشكل ليس بقليل في تطور الحكيّ في العمل السينمائي والارتقاء بذوق المشاهدين بعيدا عن الأعمال التي تهتم بإبراز العنف والمشاهد الجنسية من أجل زيادة إيرادات شباك التذاكر.



حيث تعمل السينما كوسيط بين الأعمال الروائية وعامة جمهور يميل إلى السينما لطبيعتها الحركية المشوقة، الديكورات، الموسيقى التصويرية والنجوم المحبوبين، في الوقت الذي لا يميل كثيرا للقراءة، خاصة وإن كان ما يقرأه يحتاج إلى شئ من التأمل. وبالتالي فإنه من الممكن القول بأن مجتمعاتنا تعد من أكثر المجتمعات التي تحتاج إلى أن تتبنى أعمالها السينمائية الأعمال الروائية. لتقوم بدورها كوسيط في نقل ما هو أدبي إلى ما هو سينمائي. فربما تكون هذه خطوة لدفع المجتمع في طريق القراءة والاطلاع.



ولم يكن لروايات نجيب محفوظ أن تنطبع في وجداننا كما هي عليه الآن، إن لم يتحول عدد كبير منها إلى أفلام سينمائية أشهرها "الثلاثية". فكانت السينما باستنادها إلى الأدب تفتح لنفسها وبنفسها دربا حقيقيا وراسخا يمكن أن نعتبره أرقى ما يعبر عن السينما الجادة. فمن طبيعة العمل الروائي أنه لا يكون مجرد سرد من أجل تسويد مئتي أو ثلاثمائة ورقة بالحبر، بل يحمل على عاتقه قضية تهم الروائي الذي هو جزء من حالة مجتمع بعينه. وعندما تنتقل هذه القضية من الكلمات إلى شاشة السينما يظهر للمشاهد كم أن الفنان الذي يقدم له العمل يشاركه آلامه وهواجسه، وأن هذا الفنان يتلمس ما يشغل فكر الناس ويؤرقهم. فيجعل المشاهد يشعر أنه ليس وحده، في وقت تزداد فيها ضغوطات الواقع وصعوبته.



وهذا ما نجد يوسف شاهين قد نجح فيه عندما حول رواية الأرض (1954) للكاتب عبدالرحمن الشرقاوي إلى فيلم سينمائي بنفس الاسم (1970)، والذي يعد ضمن أفضل عشرة أفلام في تاريخ السينما المصرية، حيث يمكنك أن تتلمس في كل تفاصيله قوة مسارات الأحداث التي كتبها الروائي، وعمق الرؤية التي يتمتع بها مخرج إستثنائي مثل يوسف شاهين. إننا نستطيع بكل بوضوح القول بأن فيلم الأرض هو من أكثر الأعمال التي يمكن أن تتبلور فيها فكرة السينما الجادة. هذه الحكاية التي تدور أحداثها في قرية من قرى مصر عام 1933 والتي تمتلئ بكل المشاكل التي أصابت الريف المصري في عهد الملكية والاستعمار البريطاني، قد أسهمت بشكل غير عادي في تشكيل وعي أجيال متتابعة من أبناء مجتمعنا. ولا أظن أن هناك الكثير من الأعمال التي من الممكن أن تباري هذا العمل في قدرته على التأثير بعمق في الوجدان الجمعي لمجتمع بعينه.

فقد قال عنه الناقد الفرنسي جان لوي بورمي في مجلة الابزرفاتور بعد عرضه في مهرجان كان السينمائي بفرنسا "إن الأرض ليس حدثا بالنسبة للسينما العربية وحدها ولكن بالنسبة للسينما العالمية أيضا."



وبعد ما يزيد عن أربعة عقود تقريبا من ميعاد العرض الأول لفيلم الأرض، تعرض سينمات عيد الفطر (2014) فيلم الفيل الأزرق للمخرج مروان حامد والمأخوذ عن رواية بنفس الاسم للكاتب أحمد مراد (2012). ونجد اليوم أن السينما مرة أخرى تلعب دورها كوسيط بين عوام الجمهور والإنتاج الروائي المعاصر، ولكن هذه المرة بطريقة مختلفة. فالحكاية الغرائبية التي تتناولها الرواية وطريقة السرد السهلة التي يتبعها أحمد مراد مع عنصر التشويق الذي يمتلكه، جعلت الرواية على مدى سنتين تظل في قوائم الأكثر مبيعا في غالبية المكتبات ومحلات الكتب.



وهنا نجد أن ظاهرة استناد العمل السينمائي إلى عمل روائي قد اختلفت. فالسينما لم تأخذ رواية لم يسمع بها قطاع كبير من الناس وحولتها لفيلم يقلِب الموازين ويُحدث طفرة في الإبداع السينمائي. بل تم تحويل عمل روائي معاصر، مشهور، واسع الانتشار بالإضافة لترشحه للقائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر"، إلى فيلم سينمائي ضخم الميزانية تكلفته تزيد عن الثلاثة ملايين دولار. فالرواية عليها الكثير من الملاحظات التي انتبه إليها مجتمع القراء فور إتاحتها في المكتبات. حيث ينجلي للقارئ المطلع ضعف السرد والابتذال الذي وضح في استخدم اللغة بالاضافة لقيام عنصر التشويق بدور كبير في إخفاء هذه النواقص. ولكن كل هذه الملاحظات تختفي في السينما، ويظهر مكانها عوامل مختلفة تزيد من قوة العمل كالمؤثرات الصوتية وتقنية التصوير وانفعالات الممثلين والتي كلها ترفع من جودة عرض الحكاية.



ولا يجب هنا أن ننزعج لأن مخرج الفيلم أخذ رواية عادية من الناحية الأدبية وحولها لفيلم يُعد في الكثير من جوانبه أفضل من الرواية المأخوذ منها. ولكن ما أظن أنه يبعث على الانزعاج هو أن يعتبر النقاد هذا الفيلم علامة من علامات السينما الجادة. فأول ما يجعلنا ننفي هذا الادعاء هو غياب المعنى وراء العمل واختفاء القضية التي يحملها. فليس هناك في الرواية أو الفيلم إشكالية حقيقية، هناك أحداث مشوقة لحكاية تتلون بعوالم السحر والفانتازيا وما وراء الطبيعة. ولكن ليس هناك قضية يحملها العمل ويبرزها، بمعنى آخر، يعد الترفيه والتشويق هو الغاية الأساسية من وراء الرواية أو الفيلم. وقد نتفهم فرحة النقاد بعمل كهذا بعد عِقد من سيطرة الأعمال الكوميدية المبتذلة التي يقف وراءها منتجون ليس لهم علاقة بالعمل الفني والسينما سوى أموالهم. من الممكن تفهم أن تأخذ بعضهم الحماسة فيجعل الفيل الأزرق علامة من علامات السينما الجادة. من الممكن تفهم كل هذا، ولكنه لا يعني قبولنا لرأيهم على أي حال من الأحوال.

الخميس، 21 أغسطس 2014

الطاقة: بداية من ابن الحداد وصولًا إلى عازف الكمان!


إنني أجد الكتابة عن العلم مهمّةٌ يشوب ثناياها الارتباك والقلق، ويحيط بها شيءٌ من الغموض والقدسيّة. وعلى الرغم من أن بعضنا يظن بعدمية الحياة وفوضوية المسارات التي تتخدها، إلا أننا نستطيع أن نتلمس في قوانين كوننا الأساسية تناسقًا قادرًا على إبكاء العلماء. فقبل مائة عامٍ تقريبًا، كشفت معادلة، توحي بأنّها بسيطة، عن وحدة خفيّة مدفونة عميقًا في نسيج الكون وثناياه، حيث أنها تحدثت عن علاقة مدهشة بين الطاقة والمادة والضوء. إنها تعد أشهر معادلة في تاريخ العلم: E=m*c2. مكتشف هذه المعادلة هو الشاب ألبرت أينشتاين، والذي كان محبًّا للفيزياء والرياضيات والفلسفة وعزف الكمان، ويجد أن أي شيء غير ذلك يشوبه الملل. ومع أن معظمنا سمع عنها وعن أفكار أينشتاين وما توصل إليه، إلا أن قليلين منّا هم من يعرفون معناها. في الحقيقة، هذه المعادلة بالغة الأهمية لدرجة أنها أصابت أينشتاين بالكثير من التوتر والأرق، حيث أنه لم يكن واثقًا بشكل كامل من صحتها!

ولكن عقل أينشتاين، الذي كان يشوبه الشك في هذه اللحظات، ظل يردد بصوت مسموع، وعلى فمه شبح ابتسامة قلقة، خوفه من أن هناك قوى ميثولوجية تسخر منه. مما يجعلنا نرى كم كان أينشتاين متشكّكًا فيما توصل إليه. ولكن الأمر لم يكن يتعلق بالميثولوجيا أو أي أساطير من أي نوع آخر، بل بفكرة مذهلة استحوذت عليه كرؤى الصالحين، فعلماء آخرون من قبله استأثرت أيضًا فكرة الطاقة بعقولهم، وجعلتهم يكرسون حياتهم من أجل أن يصلوا إلى بعض من أجزاء المعادلة التي توصل إليها أينشتاين.

إن حكاية الطاقة ومعادلتها بدأت قبل أينشتاين بمدة طويلة، ففي بدايات القرن التاسع عشر لم يكن العلماء ينظرون للمسائل الفيزيائية من خلال مفهوم الطاقة، بل كانوا يرون الأشياء على أنها قوى منفصلة إحداها عن الأخرى وغير مترابطة. ففكرة أن يكون هناك نوع من الطاقة الرابطة بين القوى لم تكن قد اكتشفت بعد. ولكن هناك شخص واحد سيؤدي إلى تغيير فهمنا لكل هذه الأشياء ويجعلنا نرى الطاقة-هذا السر الغامض في الطبيعة-بطريقة مختلفة. فقد كان هذا الشخص في شبابه يكره عمله، حيث كان ابنًا لحداد ولم يكن متعلّمًا. ولكنه كان محظوظًا لأنه حصل على عمل في محل لتجليد الكتب. وعلى الرغم من كل ما كان يمر به من شظف العيش إلا أنه كان مولعًا بالاطلاع والمعرفة، حيث قرأ كل كتاب وقع بين يديه، حتى نمى بداخله شغف غير عادي بالعلم، ملأ كل أوقات فراغه وأنفق في سبيل تعلمه معظم ما كان يحصل عليه من راتب. هذا الشاب هو مايكل فاراداي. حيث كان بشغفه يخطو أولى خطواته في عالم الطاقة الخفي والغامض في ذلك الحين.

همفري وفاراداي

كان العلماء في العصر الفيكتوري من نجوم المجتمع، وينافسون في هذا الأدباء والفلاسفة والشعراء، حيث كانت محاضراتهم ذائعة الصيت كالعروض المسرحية. وكان من الطبيعي أن تجد صعوبة في الحصول على تذكرة حضور إحداها. بدأ السيد همفري – أبرز كيميائيٍّ في عصره – المحاضرة، التي تمكن فاراداي من حضورها، بالحديث عن الكهرباء، تلك التي كانت ما تزال غامضة في ذلك الوقت. وعلى الرغم من أن همفري كان عالمًا من الطراز الرفيع، إلا أن الكثيرين اعتبروا أن مايكل فاراداي هو أهم اكتشافاته. وعلى الرغم من أن فاراداي لم يكن يومًا من النبلاء، إلّا أنه بذل كل ما يمكن بذله حتى لا تقف الحواجز الطبقية في طريق طموحاته العلمية، فقد عمل ليل نهار كي يجعل ملاحظاته على محاضرات السيد همفري ديفي بين دفّتي كتاب، ثم أخذ هذا الكتاب وذهب به إلى همفري ديفي. وانتهى الأمر بإرسال السيد همفري له بعد فترة من هذا اللقاء كي يعمل معه بشكل مبدأي كمساعد مخبري في معمله. ولكن مع مرور الزمن استطاع التلميذ أن يتفوق على أستاذه.
كانت الكهرباء في تلك الأيام مثل صرعة. وعلى الرغم من اختراع البطارية وإجراء الكثير من التجارب، إلا أنه لم يكن أحد يفهم أو يدرك معنى القوة الكهربائية. حيث كانت غالبية المؤسسات الأكاديمية تظن أن الكهرباء أشبه بسائل يتدفق شاقًّا طريقه في أنبوب. ولكن في عام 1821 اكتشف باحث دنماركي يدعى هانز أورستيد: أننا عندما نمرر تيارًا كهربائيًّا في سلك ونضع بجواره بوصلة، فإن إبرة البوصلة ستنحرف. وكانت تلك أول مرة يثبت فيها الباحثون تأثير الكهرباء على المغناطيس. كانت هذه التجربة أول لمحة لقوتين كان يعتقد أنهما منفصلتان، وقد تبين أنهما متحدتان بطريقة لا تفسير لها.

هنا استدعى السيد همفري معاونه فاراداي إلى معمله لكي يرى التجربة، ربما كان في وسعه فهم الأمر، فقد كان فاراداي بمثابة الشرارة المضيئة لهم. وكان السؤال الذي يحاول الجميع الحصول على إجابته هو: إذا كانت القوة الكهربائية تجري داخل أنبوب، فلماذا إذًا لا تتحرك إبرة البوصلة في نفس اتجاه حركة التيار الكهرباء وبالتوازي مع السلك؟! كيف يمكن للتيار الكهربائي الذي يسير في اتجاه معين أن يجعل البوصلة تنحرف في اتجاه عمودي عليه؟ هنا ظهر بريق الشرارة المضيئة، ففي الوقت الذي كان فيه الجميع يتعلمون أن القوى تنتقل على هيئة خطوط مستقيمة بما فيها القوى الكهربائية، فإن فاراداي كان يرى غير ذلك. فقد كان يتصور أن خطوط القوى غير المرئية والتي تتدفق في شكل دائري حول سلك يمر به تيار كهربائي، تدفع إبرة المغناطيس في اتجاه عمودي بالنسبة لاتجاه حركة التيار الكهربائي الذي يمر داخل السلك.

ولم يكتف فاراداي بذلك، بل إن قفزته الحقيقية كانت في قلبه للتجربة رأسًا على عقب، فبدلًا من أن يشاهد إبرة مغناطيسية تنحرف عند وضعها بجوار سلك يمر فيه تيار كهربائي، تسائل إن كان في وسع مغناطيس ساكن موضوع في بركة من الزئبق وموصل ببطارية أن يتسبب في تحريك سلك مغموس في بركة الزئبق حول هذا المغناطيس. فكانت هذه هي تجربة العصر، وأساس اختراع المحرك الكهربائي. إن هذه البحوث التي قام بها فاراداي عن ما أسماه القوى غير المرئية حول سلك يمر فيه تيار كهربائي أدت إلى فهم جديد للطاقة وأطلقت ما يسميه أينشتاين الثورة الكبرى.
إن تاريخ العلم لم يقف عند هذه اللحظة فقط، فهناك من أحدثوا طفرات في أهمية ما أحدثه فاراداي. وهذه هي قيمة العلم. إنه يجعلنا ندرك أن في وسعنا فهم هذه الحياة وعيشها بشكل أكثر عمقًا واختلافًا عما كان يظنه من هم قبلنا. وإلى لقاء ومقال آخر عن العلم إن شاء الله.
http://www.ibda3world.com/energy-from-einstein-to-faraday/

تاريخية الإبداع .. عند موزارت وهيكل وتشيكوف



عندما تقرأ لتشيكوف والذي يعد علامة مفصلية في تاريخ القصة القصيرة، ستفهم لماذا ليس هناك اختلاف بين الأكاديميين على أهمية دوره في تطوير القصة القصيرة كشكل من أشكال الحكيّ الأدبي. فالرجل تناول شخوص وأحداث قد تبدو في الوهلة الأولى عادية وليس فيها ما يميزها، ليرتقي بها، بأسلوب أدبي هادئ، إلى مستوى أعلى من الناحية الأدبية.

والحال نفسه مع الكاتب والمفكر والأديب محمد حسين هيكل، والذي يعد أول عربي يكتب الرواية (زينب – 1914). والتي يعتبرها النقاد والمفكرين نقطة انطلاق الأدباء العرب في فن الرواية. على ناحية أخرى، تجد أن موزارت يعود له الكثير من الفضل في وضع أسس وخطوط عامة تتبعها من بعده موسيقيين جيله والأجيال التي تليه مثل بيتهوفن وغيره. ولا يختلف أحد على أن أهمية موزارت في الموسيقى لا تقل عن أهمية تشيكوف في القصة القصيرة أو أهمية هيكل في الرواية العربية.

ولكن حقيقةً الكثير من شباب القراء والكتاب والموسيقيين لا يميلوا لقراءة تشيكوف أو هيكل أو الاستماع لموزارت، حيث يجدوا أن أعمال هؤلاء العظماء يشوبها شيئا ليس هينا من الملل. وأصبح الكثير منا يتسائل عن سبب أهمية هؤلاء وكل التبجيل الواقع عليهم من الأكاديميين والنقاد.

وهنا يجب أن ننظر إلى مفهوم أهمية المبدع من زاوية مختلفة، حيث لا يقتصر الإعجاب والإشادة به من ناحية ما تحتويه أعماله وفقط، بل ومن ناحية الظرف الزمني والمكاني الذي استطاع فيه عقله أن يفرز هذه الأعمال. أي أن أهمية المبدع ليست أهمية فنية معاصرة لزمنه وفقط بل أحيانا يكون لأهميته بعدا تاريخيا لما مثله من دور في إحداث نقلة نوعية أو طفرة استثنائية في تاريخ التطور الإبداعي للعقل البشري.

ومن السهل ملاحظة أن تشيكوف وهيكل وموزارت كان لديهم غزارة في الإنتاج الإبداعي، وبالأخص عند تشيكوف وموزارت بالمقارنة مع عمرهم (موزارت 35 عاما - تشيكوف 44 عاما).  وهنا قدر قد يتبادر إلى الذهن سؤال عن غزارة الإنتاج وهل له ارتباط حتمي مع الابداع. وقد يجد البعض هذا السؤال أكثر تعقيدا من الإجابة عليه.
ولكنني أجد أنه من السهل أن نرد على هذا الاستفهام بالنفي عندما يلوح في ذهننا أعمال لأدباء وموسيقيين شحيحي الإنتاج كبيري الإبداع مثل إيرنان ريبيرا ليتيلير، وأمبرتو إيكو، وأنطونيو سكارميتا وراجح داوود. فهؤلاء المبدعين سواء كانوا أدباء أو موسيقيين، ليس لهم أعمال كثيرة كالتي قد تجدها عند الحاصلين على نوبل في الأدب، أو الموسيقيين الذين تعزف مقطوعاتهم في أكبر المسارح ودور الأوبرا في العالم. ولكن غالبية من قرأ لهم أو استمع إلى موسيقاهم لا يشك في حالتهم الإبداعية الإستثنائية.

إن المبدع صاحب الإنتاج القليل لم يفكر في شئ سوى أن يفعل مع يجد نفسه مدفوعا لفعله. ولطالما كان السؤال عن الشهرة وما يصاحبها من صخب يتردد في أعماق نفسه قائلا: هل هذا هو ما أريده حقا؟ هل هذا هو ما يجب أن أفكر فيه عند الكتابة أو تأليف الموسيقى أو الرسم أو النحت. أدعي هنا أن الإجابة كانت تخرج دائما بالنفي. فجلّ ما يفكر فيه المبدع هو الأُثر الذي سيتركه ولو في فرد واحد.
إن تشعب دروب الأإبداع لا بد أن يقودنا ليقين بفكرة أنه ليس هناك معيار بدرجات محددة علميا يمكن به قياس مدى تفرد الإنتاج الإبداعي لشخص بعينه عن باقي ما يُنتج في نفس مجاله. ليس هناك علامة على أنك تسير في طريق الإبداع وعلامة أخرى تدل على إنك انحرفت عنه.

فالمبدع يمر بمراحل صعود وهبوط فكرية، ليس تقدما حتميا للأمام كالتاريخ أو الاقتصاد في بعض مدارسه، وليس ميثولوجيا بها حقائق مطلقة. ولكنه شبكة معقدة للغاية من الطرق الملتوية والطويلة والمرهقة والتي أشبه بمتاهة، حيث من الصعب تحديد عدد طرقها أو نتاج اختيار السير في أحدهم. فقط المثابرة هي ما تجعل من المسافر في هذا الدرب من التعقيدات قادراً على اكتشاف قدره بنفسه، وهي ما تجعله قادرا على أن يقترب أكثر من النفس البشرية، ليتلمس آلامها، ولتنطبع في ذهنه، مفتتا ومعيدا تشكيل وعيه من جديد مئات المرات كي يمكن لإنائه أن ينضح بما هو إستثنائي وفريد كما يفعل المبدعين.

الجمعة، 1 أغسطس 2014

الزمن والرواية .. عند ساراماجو وميسو وفوكنر




 

يعد القالب الزمني الذي تدور فيه أحداث العمل الروائي من أهم عناصر البناء الأدبي. فيمكن تخيل السير الزمني للأحداث على هيئة خط مستقيم، أو دائري أو أشكال أخرى. ولكن ليس في مقدورك التخلي عن الزمن في السرد لأن ساعتها لن نستطيع أن نطلق على العمل الأدبي مصطلح "رواية".

فالزمن جزء من الطبيعة الأبدية للرواية، فطالما وُجِد أشخاص بينهم علاقات وأحداث تدور بينهم ومواقف تحتويهم فإن هذا يعني أن هناك زمناً ما تتحرك على قضبانه مسارات الأحداث. إن كيفية استخدام الزمن بأفضل شكل ممكن لخدمة العمل الروائي يظل حتى الآن إشكالية تواجه السواد الأعظم من الأدباء. ودائما ما كان الابتكار في استخدام الزمن له أثر كبير في بنية الرواية. فالأهم دائما بالنسبة للكاتب عندما يفكر في استخدام قالب زمني بعينه هو كيف يمكن أن يخدم هذا الأسلوب طبيعة الرواية التي يكتبها.

فنجد أن الروائي البرتغالي جوزيه ساراماجو في رواية له بعنوان "العمى" يتّبِع خطا زمنيا شبه مستقيم، شبه يومي تقريبا، تنتقل فيه الأحداث من اليوم إلى الغد ومن الغد إلى بعد الغد وهكذا دون أن يعود إلى ذكريات في الماضي إلا نادرا، وإن عاد فتكون على هيئة لفتة سريعة وليس حدثا يحكيه باستفاضة قد يُوقِف من أجله مسارات الأحداث الآنية، فلا أهمية لما كان قبل أن تبدأ حيوات الشخصيات ببداية الرواية، حيث ما يجب أن يظل عالقا في ذهن القارئ بعد انتهاء الرواية هو ما تركته الاحداث اليومية وأثرها في شخوص العمل الروائي.

قد يكون هذا الأسلوب الأكثر كلاسيكية بين الأساليب الزمنية في الرواية. ولكن عملاً مثل العمى كان بحاجة لهذا القالب الزمني التقليدي كي يتمكن من احتواء موضوع شديد التعقيد، متعدد المستويات النفسية بالإضافة لأسلوب سرد ومحادثات تنتقل بين الشخصيات والمواقف بشكل قد يمثل إرباكا للقارئ مع الشعور بغموض بعض التفاصيل وضبابيتها. كان ساراماجو بحاجة لقالب زمني كلاسيكي كي تتمكن عناصر عمله المجنونة والمثيرة من الإنصهار والتشكل على هيئة بناء روائي ملئ بالإبداع والعبقرية.

أما الروائي الفرنسي غيوم ميسو نجده في رواية له بعنوان "وبعد" قد استخدم الزمن على هيئة حلقات دائرية متشابكة تتقاطع فيها ذكريات الشخصيات مع حاضرهم. فنجده يحكي موقف يحدث لإحدى شخوص العمل ثم يتوقف عن الحكي ويترك الشخصية تجتر جزء من ذكرياتها وماضيها الذي يقف أمام عينيها وهي في قلب الحدث. هذه الطريقة في الحكي تسهم بشكل كبير في جعل القارئ يفهم ماضي الشخصية.

ومن ثم يمكنه تفهم دوافع تصرفها وقراراتها على نحو معين في حاضرها، كما أن هذه الطريقة تسهم في تجنب الكثير من الإسهاب والإطالة في الحديث عن تفاصيل الماضي غير الهامة، حيث استخدام الزمن على هيئة هذه الحلقات تجعل الذكريات ذات فائدة واضحة وغرض مفهوم وليست مجرد استرسال لا داعي له. كما أن هذا القالب الزمني يناسب رواية مثل "وبعد" حيث تتشابك علاقات الشخصيات وتتعقد تفاعلاتها مع بعضها البعض ويكون للماضي أثر كبير على أحداث الحاضر ومسارات أحداثه.

ظلت الأساليب التي ذكرتها لاستخدام الزمن في الرواية سائدة لوقت طويل حتى أتى الروائي الأمريكي ويليام فوكنر في روايته "الصخب والعنف" ليرفض ما اعتاده الآخرون، ويضفي طابعه الخاص على البناء الزمني للرواية. قد يجد القارئ أن هناك شيئاً من الرتابة أو الاعتيادية في مواضيع روايات فوكنر خاصة في الصخب والعنف، فالحكاية في حد ذاتها ليست مختلفة أو فيها ما هو جديد كما في العمى مثلا. كما أنه من السهل أن تلاحظ محدودية البيئة المكانية. ولكن يبقى الزمن العنصر الأكثر إثارة في روايته، حيث فيه يكمن الأختلاف والإبداع الخاص بفوكنر.

يكتب ويليام فوكنر الصخب والعنف بدون بناء زمني متتابع سواء على هيئة حلقات أو خطوط مستقيمة. بل الزمن في روايته ومضات كضوء النجوم المتناثرة في السماء الشاسعة. تبدو ومضات فوكنر الزمنية للوهلة الأولى متشتتة ومتقاطعة بشكل عشوائي لا علاقة لها ببعضها البعض، حيث يستمر في هذه الطريقة المرهقة للقارئ والانتحارية بالنسبة للكاتب من بداية العمل حتى نهايته. فليس هناك تتابع سردي بالمعنى المعتاد، والحكي يتمركز حول تقاطعات زمنية لمواقف مختلفة تحدث في بيئات زمنية/ مكانية متعددة.

ينتقل فوكنر بين حكاياته دون أن يوضح أو يقول أي شئ للقارئ، حيث يكتفي بانتهاء جملة في حدث ما حتى ينتقل لجملة أخرى في حدث آخر دون الإنتظار لانتهاء الحدث المنتقل منه. وقد تكون هذه الطريقة في السرد صعبة على القارئ ومربكة خاصة إن كانت الحكاية كما قلنا تقليدية ليس فيها ما هو جديد، ولكنها من الناحية الإبداعية تعد طفرة، حيث أعطى فوكنر الروائيين من بعده بدائل مختلفة لكي يستخدموا قوالب زمنية متعددة في أعمالهم الروائية.