الثلاثاء، 29 يوليو 2014

غرس البذور ورعايتها

كما كررت كثيرا، قرار الزواج ليس فقط اختيار شخصين بينهما مشتركات تمكنهم من العيش معا، إن جزء ليس بقليل من تركيبة القرار تتعلق بمقدرة الزوجين على رعاية مستقبل الأبناء. وإن لم يكن هناك وعي بأهمية أن يشمل قرار الزواج توافق الزوجين على الأسس المادية والنفسية والأخلاقية التي سينشأ عليها أبنائهما، فإنني أظن أن قرارهما سيكون به الكثير من الخلل. إن أمر الزواج لا يتعلق فقط بحياة جنسية هانئة تُرضي الطرفين. ولا يتعلق فقط بتأكدهما من قدرة كل منهما على الإنجاب بالفحوصات الطبية قبل الزواج. ولكن الأمر يتعلق بكيف يمكن للآباء أن يوفرا حياة كريمة لأبنائهما.

فقرار الإنجاب لا يقل صعوبة عن قرار الزواج. لأن المرء يسعى دائما إلى أن يتجنب في تربية أبنائه الأخطاء التي وقع فيها والديه أثناء تربيته. إن أمر التربية لا يتوقف فقط على توفير أساسيات الحياة من مأكل وملبس ومشرب. ولا يتوقف أيضا على توفير قدر جيد من التعليم والعلاج. بل أزعم أن الأمر يحتاج للكثير من الأشياء الأخرى التي قد يراها مجتمعنا أشياء تكميلية، نقصها لن يسبب مشكلة كبيرة،مثل أن يمارس أبنائك رياضة من الرياضات بشكل منتظم منذ نعومة أظافرهم حتى ينتهوا من الجامعة، تعلم شئ من الموسيقى، التحفيز على الاطلاع والقراءة في مجالات مختلفة، تعلم أساسيات الرسم على أن يترك لهم التعبير من خلاله عما يدور بداخلهم أو حولهم.

إن الآباء يجب أن يكون لديهم قدرة على تنظيم وقت ابنائهم، بالإضافة لحتمية وجود مبادئ معرفية طبية ونفسية تساعدهم على تنشأة أبنائهم نشأة حقيقية. إن سؤال كيف يمكن أن نربي أبنائنا هو من أصعب الأسئلة وأكثرها تعقيدا التي يمكن أن يقابلها المرء في حياته. وكل ما أحاول قوله هنا هو من قبيل النقاش لا النصح. وربما النقاش قد يساعدنا على ان نضع شئ بسيط في بناء إطار مبدأي يمكننا من خلاله التفكير بطريقة مختلفة في مؤسسة الزواج بشكل عام وفي طريقة تربية أبنائنا واحتياجاتهم بشكل خاص. ربما يسمح لنا أن نفكر في ماهية العقبات المادية والفكرية والاجتماعية التي من الممكن أن تحول بيننا وبين تربية أبنائنا بطريقة حقيقية.

إن رغبة أي زوجين في الإنجاب هي شئ فطري لا يمكن أن يلومهما أحد عليه. ولكن إهدار حق من ينجبوهم بعدم الاستعداد لقدومهم بشكل جيد هو ما يجب أن يحاسب عليه كل زوجين نفسيمها قبل أن يحاسبهم المجتمع وأبنائهم. إن محدودية الموارد المادية مشكلة تؤرق غالبية سكان هذا الكوكب. وهذه المحدودية يجب أن تجعلنا نفكر وندرك أن إنجاب المزيد من الأطفال وإحضارهم إلى هذا العالم هو شئ يجب الاستعداد له بشكل جيد، حيث يمكن أن نوفر فرصة حقيقية لأبنائنا من أجل أن يجدوا مكانا لهم في هذا العالم الذي يزداد تأزما كل يوم.

إن المشكلة لا تبدأ أحيانا عند إنجاب الطفل الأول أو الثاني، بل غالبا ما تبدأ مع زيادة مفرطة في الإنجاب. ولو أننا افترضنا أن لدى الآباء كل الموارد المادية التي تمكنهم من توفير تعليم ورعاية صحية وغيره لأطفالهم، فهذا لا يعني بكل تأكيد نجاح الآباء في تربية أبنائهم. لأنهم لو كانوا يمتلكون موارد مادية غير محدودة فإن الوقت الذي يمتلكوه محدود. وكلما زاد عدد أطفالك كلما تم توزيع وقت رعايتك عليهم وكلما قل نصيب كل طفل من هذه الرعاية. إن واجب الآباء اتجاه أبنائهم يجب أن ننظر إليه بشكل مختلف عما اعتدنا عليه.

ربما كان كتاب "في التربية" لـ برتراند راسل يضع إطارا أوليا يساعد الآباء على معرفة كيف نربي أبنائنا منذ اللحظة الأولى لولادتهم وحتى يلتحقوا بالجامعة. إن قراءة هذا الكتاب من الممكن فعليا أن تشكل بداية لإطار عملي يجعلنا نصيب قدر من النجاح في وضع ديناميكية غير تقليدية تساعدنا على تربية أبنائنا داخل إطار فكري جديد أصبحنا في أشد الحاجة إليه.

الاثنين، 28 يوليو 2014

تكامل الأدوار (2-2)


إن كل فريق منهما يأتي بألف سبب وحجة تعضد تقوي وجهة نظره. حيث رجال الدين يجدون في عمل المرأة اختلاطا مذموما يقع تحت طائلة الشبهات التي يجب أن نتقيها، وأنه ليس للمرأة سوى بيتها وابنائها وزوجها وما إلى ذلك. وعلى الجانب الآخر فإن جمعيات حقوق المرأة ترى في المرأة فردا من أفراد المجتمع له حق المشاركة وتأدية دوره وتحقيق ذاته دون النظر لأي اعتبارات أخرى من الممكن أن تؤثر على دورها ونجاحها الشخصي. ويظهر بوضوح أن كلا النقيضين قد أغفل الجانب الآخر للمرأة، حيث كل جماعة أخذت جانبا من جانبي المرأة وشددت على انتماء المرأة لهذا الجانب دون غيره.

إن ما يجب أن يكون مستقرا وراسخا في أذهاننا هو أن المرأة أم وزوجة وأن هذا جزء من طبيعتها التي تشكل وجودها الإنساني. وهي أيضا في الوقت نفسه فرد من أفراد المجتمع له شخصيته وطموحاته التي يجب أن تكافح حتى تصل إليها. إن رجال الدين لا يفهموا ولا يريدوا أن يفهموا أن عمل المرأة يقوي من شخصيتها ويزيد ثقتها بنفسها ويثقلها بتجارب الحياة الهامة لها ولفكرها الذي سيتشربه أطفالها، بل ويجعلها أكثر قدرة على اتخاذ القرار ومساعدة بنائها الأسري برجاحة عقلها والتغلب على صعوبات الحياة اليومية سواء كان ذلك ماديا أو فكريا.

كما أن جمعيات حقوق المرأة في أساسها الوجودي قائمة على تفعيل دور المرأة كفرد من أفراد المجتمع وعدم الوقوف عند أي نزعة عاطفية، كالأمومة مثلا، من الممكن أن توقف طموحها. هذه الجمعيات سواء بقصد أو عن غير قصد أول ما تحاول الوصول إليه هو تجريد المرأة من نزعة الأمومة، حيث ترى أن جزء من العبودية التاريخية التي وقعت فيها المرأة اتجاه أسرتها وزوجها يكمن في نزعتها لإنجاب وتربية الأطفال. إن الهدف تفكيكي في أساسه، رافضا للبناء الأسري شكلا ومضمونا. ويمكننا أن نرى أثر هذه التفكيك في تزايد حالات الانتحار وإدمان المسكرات وغيرها من صور انهيار البناء الأسري في المجتمعات التي تدعي أنها أكثر تقدما. هذه الكلمة الأكثر تعميما والتي توحي أن الدولة التي تحظي بوضع اقتصادي أفضل من البديهي أن تكون متقدمة في كل شئ آخر. هذه الفكرة التي تنتفي ليس فقط مع النظرة المجردة بل مع الواقع الذي تعيشه الحضارة الرأسمالية في عالمنا المعاصر.

إن علاقة المرأة بأولادها سابقة لحضورهم إلى الحياة، حيث تتشكل وتزداد وتغمر المرأة مع بداية معرفتها أنها تحمل في داخلها بذرة ابنها، هذا الوضع الذي تطفو عليه هالة من القدسية من الصعب أن تنتزعه من داخل المرأة. وإن نجاحهم في نزعه عن البعض أدى إلى نتائج نفسية وإنسانية ليست بالهينة. إن النقيضين الذي يحاول كل منهما أن يجتذب أكبر عدد ممكن من المؤيدين لا يمثلا كل الحلول. إن الطريق الوسط بين هذه المتناقضات موجود، أطروحة تشمل أركان طبيعة المرأة بداية بكونها إنسان ذو نزعة فطرية خاصة وصولا إلى كونها جزء أساسي من بناء اقتصاد المجتمع.

يطرح دكتور عبدالوهاب المسيري دراسة بعنوان "قضية المرأة: بين التحرير والتمركز حول الأنثى" وهي دراسة صغيرة في عدد أوراقها (52 صفحة) كثيفة في أفكارها ومحتواها. في هذه الدراسة يوضح المسيري الفرق بين دعوات تحرير المرأة التي يقف بجانبها ويساندها وبين الحركات النسوية التي ليس لها علاقة بتحرير المرأة بل تسعى وبدون توقف إلى تفكيك البناء الأسري ومؤسسة الزواج من حيث المبدأ. إن ما حاولت الحديث عنه اليوم لا أظن أنه سيكتمل في ذهن القارئ دون قراءة هذه الأطروحة المهمة. إن كل امرأة وكل رجل يحتاجون لقراءة هذه الدراسة وتأملها بشكل حقيقي.

إنني أقف بجانب حق المرأة في العمل ومنافسة الرجل في كل المجالات. أقف بجانب حقها في الحصول على فرص متكافئة سواء كان ذلك أكاديميا أو في سوق العمل. ولكنني لا أقف بجوار نزعة المرأة من بنائها الأسري، أبنائها، وزوجها من أجل أن تعمل عارضة أزياء، أو راقصة في ملهى ليلي، أو فتاة إعلانات يُستغلّ جسدها تحت دعاوي تحرير المرأة. إن أهمية المرأة المثقفة صاحبة الوعي لا يمكن أن ينكرها عاقل. بل إنني أقف جانب القول الذي يرجح أهمية المرأة المتعلمة المثقفة أكثر من الرجل المتعلم المثقف. لأن ثقافة المرأة وجودة تعليمها لا ينحصر فقط في تنمية ذاتها وبناء شخصيتها بل يمتد ليشمل التأثير في بنائها الأسري بأكمله.

تكامل الأدوار (1-2)




في اللحظة التي تبدأ فيها الحياة الزوجية، يتقاسم طرفي العلاقة حياة تختلف مسئولياتها عما اعتادا العيش عليه من قبل. ولهذا فإن التوافق الفكري بين الزوجين يبدأ بالاتفاق على مجموعة من المبادئ التي يجد فيها كلاهما الأساس الذي يمكن عليه بناء حياة قائمة على التفاهم. وبغض النظر عن كون هذه المبادي ترتبط بشكل أساسي بالدين أو تقوم على أسس أخلاقية عامة، أو هي مبادئ عقلية بحتة اتجاه الحياة، فإن ما يعنيني هو مدى اتفاقهما على هذه الأسس الأولية للعيش معا. إنني لا أحاول أن أقوم بدور الواعظ الديني، أو المفكر العقلاني، أو الفيلسوف العدمي. إن كل طرف من هؤلاء يهمه أن يسير الناس في طريق يرى أنه الطريق الأصح. ولكنني أقف اليوم في موقع بعيد عن مواقع هؤلاء. إنني لا أرجو من الناس السير في خط قد رسمته ورأيت أنه الصح لا محالة. ولكنني أود أن أقول لكل من يقدم على بناء أسرة: توافق مع شريكك في البناء على قواعد ومبادئ تستطيعا من خلالها أن تحدثا نوع من الانسجام والتناسق بين دور كل منكما اتجاه الآخر، واتجاه أبنائكما.

إن البشر مختلفين في طباعهم عن بعضهم البعض، ومن هنا يسهل تفهم اختلاف نظرتهم للحياة، واختلاف الأسس التي يضعها كل فرد لحياته الزوجية. ولكنني أود هنا أن أتطرق ولو بشئ بسيط إلى قضية دائما ما كانت من أهم القضايا التي يمكن أن تثار بين أي زوجين خاصة هنا، في بلاد العرب والمسلمين وهي قضية عمل المرأة. إن الإشكالية التي تكمن في قضية عمل المرأة دائما ما تم تسطيحها حتى فقدت معناها وجوهرها وأصبحت أصوات كل من المدافعين والرافضين أصوات جوفاء، تفتقد للوعي الحقيقي بأهمية القضية التي يتحدثون عنها. وعلى الرغم من أن نظرة المجتمع للمرأة العاملة لم تعد كما كانت عليه من ستين أو سبعين عاما، إلا أن القضية ما زالت تُثار في الكثير من الأسر.

هذه القضية يمكن أن تناقش حسب تجلياتها المختلفة، حيث كل تجلي ينتمي لشريحة اجتماعية بعينها والتي تظهر فيها هذه القضية لأسباب مختلفة:
التجلي الأول: حيث يكون عمل المرأة جزء من استمرار الحياة والمشاركة في دفع الوضع الاقتصادي المحدود للأسرة، وصور عمل المرأة هنا غالبا ما تكون مرهقة ولأوقات طويلة، ويتفق كلا الزوجين على رغبتهما في توقف الزوجة عن العمل في حالة وجود مصدر رزق للزوج يكون أكثر استقرارا وأفضل ماديا. هنا يصبح عمل المرأة عبء حقيقي على الزوجة/ الأم والتي لا تجد الوقت الكافي لتربية أبنائها بالشكل التي تتمناه.
التجلي الثاني: حيث عمل المرأة يكون جزءا من رغبتها في إثبات ذاتها، هذه الكلمة التي تم استهلاكها حتى اُبتذِلت. هنا يكون العمل تحدي ورغبة في الانخراط في الواقع العملي كي تكتسب الزوجة احتراما أكبر من زوجها، مع العلم أن الأسرة في هذه الحالة مكتفية ماديا وليس هناك معوقات اقتصادية أساسية تهدد سير الحياة. هنا أيضا تعجز الزوجة/ الأم عن تربية أولادها بشكل حقيقي، حيث تتكفل برعاية الأطفال إما المربية أو المدرسة أو النادي. ويصبح دور الأم أقرب لدور المشرف العام حيث تتابع سير البيت مثل متابعتها لسير العمل.

وعلى الرغم مع اختلاف الصورة الخارجية لكلا المثالين السابقين إلا إننا نجد أن النتيجة في كلا الحالتين تقترب بشدة من بعضهما. إن هذا يعد وجها واحدا للقضية برمتها. ويعد تبسيط واختزال لا يعطي الأمور حقها. ولكنني أظن أنه كافي لتحفيز العقل لكي يفكر في الأمور بشكل مختلف. إن عمل المرأة دائما ما وقع بين موقفين يميل كل منهما إلى التطرف سواء في رفضه أو قبوله. حيث المتشددين من رجال الدين الرافضين لعمل المرأة من ناحية المبدأ، وبين الجمعيات التي تنشأ تحت شعار الدفاع عن حقوق المرأة والتي لم تفعل سوى ما فعله رجال الدين من مغالاة وتطرف في المواقف ولكنها مواقف تقع في أقصى التضاد مع مواقف رجال الدين.

الأحد، 27 يوليو 2014

سيكون الاختبار فاشلا




لم أظن يوما أن قرار الزواج من السهل اتخاذه،  ورأيت دوما أن الأمور تحتاج إلى الكثير من التأمل ووجود مشتركات يمكن على أساسها بناء حياة حقيقية. إن هذا القرار لا يؤثر فقط في طرفي العلاقة، ولكن أثره الأكبر يكون على من سيأتوا إلى هذه الحياة كأثر هذا القرار، أي أبنائنا.

ومن السهل إدراك أن هذا القرار يحيط به الكثير من الإشكاليات والمعوقات مثل التكوين الفكري للأفراد ودور الدولة اتجاههم وطريقة تنشأتهم، بالإضافة إلى تفاصيل ما قبل الزواج الذي أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها تمتلئ بأسوأ صور الاستغلال المادي مهما اختلفت الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها طرفي العلاقة وأسرهم. ويتساوى في هذا الجميع، بداية من الأكثر فقرا وصولا للأكثر غنى.

ولأن الزوج والزوجة في بداية حياتهما دائما ما يتعرضن للكثير من الضغوطات الآتية من الواقع المحيط بهما، كما إنهما مسئولون بشكل أساسي عن تنشئة أبنائهم، قد يفكر البعض في احتياجنا لتدخل الدولة من أجل إقرار مدى صلاحية أفراد المجتمع ومدى استعدادهم للإقدام على خطوة الزواج على هيئة اختبارات مثلا للمتزوجين. ولكنني أرى أن هذا النوع من الاقتراحات لن يصل بنا إلى تغيير حقيقي. لأن نجاح هذه الاختبارات سيعتمد بشكل أساسي على كفاءة الجهاز البيروقراطي للدولة.

فإن كانت الدولة مترهلة، فإن اختباراتها ستكون بنفس الطابع. وبالتالي قد نصل في النهاية إلى حقيقة أن تدخل الدولة في هذا الأمر يشبه في وجه من وجوهه تدخل الأسرة. فلو كانت (الأسرة – الدولة) قامت بدورها اتجاه (ابنائها – مواطنيها) وساعدتهم في بناء شخصيتهم وأمدتهم بالمساحة التي تمكنهم من اتخاذ القرار وتحمل مسئوليته، لما احتاجت أي من الأسرة أو الدولة إلى التدخل بهذه الطرق في قرار الزواج. إن (الأسرة – الدولة) الحقيقية هي التي يمكنها أن تطمئن إلى أن (ابنائها – مواطنيها) قادرين على اتخاذ القرارات التي تؤثر في مسار حياتهم  دون إجبار أو توجيه متعنت. ولهذا فإننا لا نحتاج لهذه الطريقة كي نصحح قرار (ابنائها - مواطنينا) بل نحتاج إلى إصلاح (الأسرة – الدولة). وتحمل مسئولية اتخاذ القرار هو بداية طريق الإصلاح الجذري.

إن نجاح المرء في حياته العملية يعد جزء أساسي من نجاحه في حياته الشخصية. إن الدولة الضعيفة تخلق مواطنا جبانا، والأسرة الهشة تخلق ابنا منحرفا، ولا أود هنا النظر إلى الاستثناءات التي خرجت من قاع القهر والفقر والظلم، في الحقيقة لا تعنيني في شئ ولا يثيرني نجاحها ولا يلهمني. ولكن ما يعنيني هو أنه كان من الممكن أن يكون هناك مئات الآلاف من أبناء هذا الوطن الذين كانوا في امكانهم أن ينجحوا مثل هؤلاء الاستثناءات لو توفرت لهم البيئة التي تمكنهم من العيش الكريم.

السبت، 26 يوليو 2014

الاختلاف يكمن في سطحية التفاصيل



إن قيام الدولة بدورها اتجاه أفراد المجتمع لا يعني أن مشاكل هذا المجتمع قد حُلّت. ولكنه ينقلنا لمستوى آخر أو زاوية أخرى يمكن من خلالها أن نرى معوقات مختلفة تتشارك فيها المسئولية بين الأفراد والدولة على السواء ولا تقل أهميتها عما تحدثنا عنه في المقال السابق.

إن تفاصيل ما قبل الزواج تمثل عائقا حقيقيا في مجتمعنا. إن الأمر أصبح عقدة غير عادية أمام قرار الزواج. ففي اللحظة التي يشعر فيها طرفي العلاقة أنهما يرغبان في أن يكملا حياتهما مع بعضهما البعض، يبدأ تدخل الأهل في كل تفاصيل ما قبل الزواج. إنني هنا لا أدعو إلى تهميش حق الآباء والأمهات في مشاركة طرفي العلاقة الرأي حول تفاصيل الزواج. ولكن الأمور لم تكن يوما مشاركة، بل تحكما وغلظة وتطرفا في نوعية المطالب التي يطلبها أهل الفتاة أو الشابة، وعلى الجانب الآخر يكون العناد هو موقف أهل الشاب.

فبدلا من أن يكون الجانب الأكبر من فترة ما قبل الزواج مكرسا للنقاش والتوافق بين طرفي العلاقة حول تفاصيل الحياة ما بعد الزواج وكيفية تدبير الأمور، ووضع شئ من الأساسيات أو المبادئ التي يمكن عليها بناء حياة يغلب على طابعها الهدوء والاستقرار، نجد أنه يتم تهميش كل هذه الإشكاليات غاية الأهمية، ويصبح الحديث طوال الوقت حول التفاصيل المادية: ما شكل الشقة، موقعها ومساحتها، نوعية الأثاث، ثمن الشبكة، أين سيقام العرس وما عدد المدعويين، بل ويصل الأمر إلى احتدام الخلاف حول نوعية الطعام الذي سيقدم للمدعويين.

إن هذا التدخل المقيت من الأهل يثير الاشمئزاز، فالآباء أصبحوا يتعاملون مع مؤسسة الزواج بنفس تعاملهم مع الصفقة. إن هذا دون أدنى شك يؤثر في طريقة تفكير طرفي العلاقة، كما أنه يفسد عليهما الكثير من الأشياء الهامة والتي قد اتفقوا عليها من أجل تفاصيل سطحية وسخيفة. إن هذا الشكل من التدخلات والمشاكل التي يفتعلها الأهل ما هي إلا نتاج شعور بالأفضلية على الطرف الآخر، شئ من الغرور الكاذب والتباهي أو التفاخر الأجوف.


فأم الشاب تتعامل مع ابنها بمبدأ: عقمت النساء أن ينجبن مثل ابني، وبالتالي فهو يستحق أميرة الأميرات، في الوقت الذي من الممكن أن يكون فيه ابنها فظ، غليظ، لم يكمل تعليمه، ولم يقرأ كتابا في حياته. وعلى الناحية الأخرى فإن والدة الشابة تغالي في مطالب الزواج وفي ثمن المهر والشبكة وكل هذه التفاصيل، تضع قيودا على الكثير من الأشياء تحت داعي أنها تريد أن تؤمن مستقبل ابنتها، وهي لا تعلم أن الكثيرات من قبلها قد حاولن فعل ذلك وفشلن. إن هذه الطريقة التي تتبعها أم الفتاة لا تدل على شئ سوى أنها تعتبر ابنتها سلعة، ستبيعها لمن يدفع أكثر، مهما كان ما يقال من حجج وأسانيد تدحض ادعائي هذا، فإنها ستكون محض كلام هش لا يزن شئ أمام حقيقة مجتمعنا التي نعايشها.

إن أسرنا بها عقدة ذنب وتقصير كبيرة مستقرة في قاع اللاوعي الخاص بها. هذه العقدة نتيجة عجزها عن تنشأة أبنائها نشأة حقيقية. إن الشعور بالذنب ليس ناتجا فقط عن التقصير، بل عن الوقت الذي احتاجوه كي يكتشفوا تقصيرهم وهم يواجهون فشل ابنائهم في خوض غمار الحياة وانحراف دروبهم، في الوقت الذي أصبح فيه الآباء عاجزين عن تحريك ساكنا. إن الآباء والأمهات يحتاجون إلى أن يخوضوا غمار واجب تربية ابنائهم بالكثير من الشجاعة والتواضع. إن عملهم يتركز في مجمله حول السعي لجعل ابنائهم شخصيات مستقلة قادرة على اتخاذ القرار وليست تابعة لهم. إن هذه الطريقة في التربية هي من ستجعل ابنائنا قادرين في الوقت المناسب أن يتخذوا قرار الارتباط بالإنسان المناسب ليبنوا حياتهم الخاصة معه. إن استقلالية الإنسان وتحمله مسئولية اتخاذ القرار هي ما تجعل قراراته أقرب للصواب منها إلى الخطأ. وهذا هو ما يجب أن يدركه آبائنا.