الجمعة، 25 يوليو 2014

أنانية الاختيار



 عندما يختل التوازن الذي يحيط بالإنسان، سواء كان هذا الاختلال جاء نتاج تقصير من الدولة في أداء دورها اتجاه أفراد المجتمع، أو جاء نتاج خلل في طريقة التنشأة التي يشترك فيها البيت والمدرسة وعوامل أخرى، فمن الممكن أن يؤدي هذا إلى خلل ليس قليل الأثر في شخصية الفرد.

عندما تضطرب كل هذه العوامل التي تحيط بالنشء فهي إما تجعله يصطبغ بصبغة الإنسان العادي التقليدي الذي غالبا ما تفتر فيه الحماسة ويفقد الثقة بذاته التي هي أكبر داعم لسعيه وراء أهدافه. أو يمكن لهذا الاضطراب أن يصيب الفرد بالتمرد الأهوج اللاواعي على كل شئ، فيتمرد على دراسته وحياته وعمله، لربما ظهر هذا في إدمانه أنواع التدخين والمسكرات المختلفة، أو على العكس لربما أدى به هذا إلى التطرف الديني ونفوره من المجتمع الذي يحيا فيه. فعندما يفقد المرء انتمائه لأسرته ومجتمعه لا يستطيع أن يعيش دون انتماء، وهذه هي اللحظة التي تتلقفه فيها الجماعات الدينية المتطرفة أو العصابات الإجرامية، لتضبغه بصبغتها. فعندما يفقد المرء إيمانه بتفرده، يكون جاهزا لأن يصطبغ بأي صبغة، سواء كانت صبغة دينية متطرفة أو صبغة عصابة خارجة عن القانون.

وبغض النظر عما سيؤل إليه الأمر، فإن كل هذه الانحرافات الفكرية تؤدي إلى تشوه واضح في نظرة الإنسان للحياة ومن ضمنها نظرته لشكل الشراكة أو الرابط العاطفي بينه وبين الإنسان الذي يود أن يكمل مسيرة حياته معه. فتنشأ أنواع من الارتباط فاقدة التوازن بين ما هو عاطفي/ مادي/ عقلي. وهذا المحور الثلاثي هو الذي يحفظ التوازن في علاقة الارتباط بين الرجل والمرأة على مدار حياتهم. وهو الذي يلعب دورا كبيرا في تغلبهم على صعاب الحياة وتجاوزهم لتفاصيلها اليومية وما بها من مشكلات. والأهم من ذلك، هذا المحور هو ما يساعدهم على إيجاد التوازن الذي يُمكِنّهم من تنشأة أبنائهم بشكل صحيح.

وهذا الخلل متشعب (النشأة – الأثر) سيؤدي حتما إلى خلل في قرار الارتباط والزواج. ولأن المرء في هذه الحالة قد افتقد عوامل الموضوعية والتفكير المتزن، فغالبا ما تظهر آثار خطأ هذا القرار بعد الزواج. ومن هنا تبدأ جذور التصدعات الأسرية. وليس هذا مجرد استنتاج نظري ولكنه تأمل لواقع نحياه كل يوم. ومن يمكن أن يشك في هذا فيمكنه أن يسأل ويعرف كم عدد حالات الطلاق أو قضايا الخلع في بلادنا اليوم. وخاصة في السنة الأولى من الزواج.

وهنا أؤكد على حالات الطلاق والخلع في السنة الأولى من الزواج، لأنها السنة التي يظهر فيها بوضوح مدى اتساع الهوة بين طرفي العلاقة وإلى أي مدى يمكنهما العيش معا أو لا يمكنهما. إننا لا نستطيع أن نمنع أعيننا من رؤية سلسلة الأخطاء والاختلالات التي أصبحنا نعيشها بداية من الخلية الأسرية وصولا إلى قيادة الفريق الرئاسي أو الوزاري لشئون الدولة. هذه السلسلة من الاختلالات أو التصدعات أفقدت المجتمع، دولة ومواطنين، القدرة على النظر بموضوعية وتأمل لمؤسسة الزواج وطبيعتها وأهدافها.

إن الأمر تحول عند البعض إلى مجرد رغبة في الارتباط بمن يحب دون دراسة لشخصية المحبوب، وهؤلاء غالبا ما تكون المعوقات المادية التي تواجههم قليلة، ولا تقل نسبة إنهيار بنائهم الأسري عن هؤلاء الذين نظروا إلى مؤسسة الزواج نظرة دينية بحتة فتعاملوا معها على أنها حماية وعفة لهم من الوقوع في جرم الزنا، فأصبح ترشيح الأهل والأصدقاء هو المعيار الأقرب للارتباط بشخص ما وبناء حياة أسرية هشة قائمة على تفريغ الاحتياج الجسدي المُلِح، وكلا الدربين يؤديان إلى تصدع غالبا ما يعمل على هدم البناء الأسري في السنة الأولى من نشأته.

ومن يمكن أن يكون ضحية هذا الاكتشاف المتأخر لهشاشة البناء الأسري سوى الأطفال الذين سيفقدون حقهم في العيش بشكل طبيعي في أسرة مستقرة ماديا ونفسيا. إن أنانية الأفراد واختياراتهم القائمة على رغباتهم الشخصية دون النظر إلى حق من سينجبوهم هي من تؤدي بنا إلى هذا الواقع القاسي، وللأسف فغالبنا لا ينظر إلا تحت قدميه ولا يفكر ولو للحظة أنه في الوقت الذي يطلب فيه حقه في العيش الكريم والتمتع بحياة زوجية مستقرة فهو يجلب مع هذا الحق واجب توفير الحياة الكريمة لأبنائه. ولم تكن الحياة الكريمة بمعناها المادي الضيق يوما هي ما أقصد. فالحياة الكريمة معنى أشمل يدخل فيه الكثير من العوامل التي سنتحدث عنها فيما هو قادم.

الخميس، 24 يوليو 2014

الدولة والتكوين الفكري


كما حاولت أن أقول في المقال السابق: العلاقة الحقيقية والأصيلة التي ينشأ عنها حياة الخلية الأسرية لا يمكن أن تبنى بدون الحب أو على الحب فقط. هناك مفاهيم وعوامل أخرى يجب ان تتضافر مع الحب كي نصل إلى بدايات ما يمكن أن نسميه "التوافق الفكري". وهذه الأشياء منها ما يدخل في حيز التقدير الشخصي لطرفي العلاقة، ومنها ما يدخل ضمن تأثير الدولة من خلال أداء دورها اتجاه مواطنيها. وبالتأكيد سينعكس كفاءة الدولة في القيام بدورها اتجاه أفراد المجتمع بالسلب أو بالإيجاب على الوعي الجمعي ومدى النطاق الذي يمكن أن يسمح لأفرادها أن يكون لهم شئ من التفرد كحق من الحقوق الأساسية.

وفي الكثير من الاوقات يصعب الفصل التام بين أنواع التأثيرات الداخلية والخارجية المحيطة التي يمكن أن تُشكل خيارات المرء وقراراته وتوجهاته الفكرية وميوله العاطفية. وفي أحيان كثيرة، ليس ما تقوم به الدولة فقط هو الذي يؤثر في وعي أفراد المجتمع، ولكن أيضا ما يتم التوافق عليه بشكل بديهي بين أفراد القاعدة الأساسية المجتمع، أو بمعنى آخر الطبقة الوسطى فيه، مشكلا فسيفساء عفوية، يمكن أن يؤثر بشكل كبير في توجهات الدولة التي أحيانا كثيرة ما تسعى لتجنب الصدام المباشر مع مجتمعها. ويجب هنا أن أوضح أن حديثي سيكون مبنيا على افتراض وجود قدر من الوعي والعدل وتكافؤ الفرص في المجتمع الذي سينشأ فيه أناس قادرين على أن يتخذوا قرارات شخصية تؤثر بالإيجاب على حياتهم الشخصية والعملية وبالتالي على إنتاجية العمل والإقتصاد الكلي للدولة في النهاية.

وكما يقول المأثور القديم: العطش دليل على وجود الماء. ومنه يمكن أن أقول أن وعينا وفهمنا لما يجب أن تكون عليه حياتنا سيدفعنا يوما ما إلى تحقيق هذه الحياة. إن لم تكن لنا فلربما كانت لأولادنا. وإن فشلنا مرة في الوصول لمسعانا، فسيأتي من وراءنا من يمكنهم أن يتعلموا ولو جزء من أخطائنا ويطالبوا بحقهم في الحياة العادلة الكريمة. فلا يمكن للمرء أن يحب بصدق دون أن يكون حرا كريما.

هناك الكثير من الأشياء الهامة للمرء والتي يجب أن يوفرها له المجتمع الذي يحيى فيه، مثل الحد الأدنى جودة التعليم، مدى آدمية البيئة التي يعيش فيها المرء، الحق في العلاج، الحق في العمل، الحق في الإطلاع على الإنتاج الفكري، وكلها أشياء تدخل ضمن دور الدولة اتجاه أفراد مجتمعها وتؤثر بشكل كبير في تكونيهم الفكري وبالتالي في قدرتهم على اتخاذ القرار.

فالتعليم، نوعيته ومستواه يؤثر في تشكيل شخصية الفرد وهو حجر الأساس لانطلاق ابداعاته في غالب الأحوال. وبالتالي قد يكون تقارب المستوى التعليمي بين طرفي العلاقة العاطفية، التي ستفضى في نهاية المطاف إلى الزواج، عامل من العوامل المؤثرة في بناء التوافق الفكري. وقد يكون يكون في أحيانا أخرى لا، عندما تصبح جودة التعليم متوقفة على من يدفع أكثر، عندما تغزو الجامعات الخاصة والأجنبية المجتمع كتعويض ممسوخ لفشل الدولة في توفير تعليم جيد لأبناء مجتمعها، تُنسف هنا فكرة وجود التوافق بناءاً على تقارب مستوى التعليم. لأنه لم يكن يوما الفقر والغنى دليلا دامغا على التفوق الفكري. لربما كان المرء فقيرا، يتنقل بين الأعمال المؤقتة من حينٍ لآخر، ولكنه أكثر وعيا وإدراكا لشئون الحياة من فتاة مدللة لم يكن لها أن تكون في كرسيها الجامعي لولا أموال أهلها. وليس في مثالي هذا تعميم، ولكنه حالة توجد بشكل صارخ في حياتنا ومن ينكرها فهو إما أعمى أو يدعى العمى.

من العوامل الأخرى التي تسهم في تنشأة الإنسان داخل مجتمعه: مدى آدمية البيئة التي يعيش فيها. وهذا العامل الذي نسعى للحديث عنه سيقودنا لحتمية التفاوت الطبقى الصارخ في مجتمعنا الذي أجد أن الهشاشة قد نهشت الكثير من بنائه المتهالك المشوه. عندما ينظر المرء للأبراج المذهلة في تصميماتها وهي في الوقت نفسه تجاور عشوائيات تنضح بالألم، ماذا يمكن أن نتوقع من أفراد مجتمع اعتادوا العيش على هذا، كيف يمكن أن نتوقع أننا قادرون على بناء أناس يتصفون بالسوية إن كانت الدولة التي يعيشون فيها ترضى بأن يزداد الفقراء فقرا والأغنياء غنى. ومن لا يدرك إلى ماذا يمكن أن يؤدي بنا هذا التفاوت الطبقى الصارخ، أقترح عليه أن يقرأ رواية يوتوبيا لأحمد خالد توفيق وهي ستخبره بما يريد أن يعرف.

عندما نوفر للإنسان الحد الأدنى من التعليم الذي يستوعب الفروقات الفردية، عندما نوفر له البيئة التي يستطيع فيها أن يتلمس تضاؤل الفروق الطبقية، عندما نرى تكافؤ الفرص كواقع وليس مبدأ سامي، سيساهم هذا كله في تنشأة إنسان قادر على أن يحب، يتسامح، يعطي، يفكر بوعي وحرية، يطلع، يعمل وأمام ناظريه هدف أكثر عمقا من بديهيات المأكل والمشرب. وسيكون حينها قرار ارتباطه العاطفي بشخصا ما والسعي للزواج منه هو شئ أكثر أصالة من فكرة قضاء الحاجة الجنسية الملحة.

الأربعاء، 23 يوليو 2014

في البدأ كان الحب


ليست المشكلة فقط في السعي وراء الحب. يبدو أن الأمر أكثر تعقيدا من هذه الكلمات التي نسمعها في الكثير من الروايات والأفلام. لطالما شعر المرء بالإعجاب اتجاه الكثيرات، لطالما أربكه شعوره هذا حتى أصبح يتشكك في صدق مشاعره مع كل مرة ينتابه. كيف يمكن أن تتأكد من أصالة مشاعرك اتجاه شخصا ما، كيف يمكن ألا تنخدع.

ربما يصعب الإجابة على هذا السؤال. ربما هذه الأسئلة لم توجد كي نسعى وراء إجابات لها. هي أسئلة وجودية، كالسؤال الأبدي: ما الحب ، ما معنى الحياة، وغيره. ربما نقارب ولكننا لا نستطيع أن نتيقن من مدى قربنا من قلب الحقيقة. وعلى الرغم من أن الأدب دائما ما أبرز بشكل لم يكن مجهزا له من قبل أن المشاعر الإنسانية واحدة، وأن الآلام والأحلام واحدة. لكن يبقى للإنسان الفرد تجربته الفريدة ودربه الذي يستكشفه بنفسه. يبقى له طعم المرارة ونشوة السعادة. يبقى له أن يشعر بأن أجمل الأشياء هي دائما أبسط الأشياء كما قال جلال الدين الرومي.

ولكن لا بأس من المحاولة. لا بأس من أن نحاول التأمل في السؤال الذي دائما ما حير بني آدم. كيف يمكن أن أتيقن من أصالة ما أشعر به اتجاه شخص ما. ربما يجب عليّ هنا أن أتحدث بصفتي رجل، من جهة، كي يمكنني التعبير عما أفكر فيه بشئ من اليسر. ومن جهة أخرى كي أصرح أن الغوص في روح المرأة واستكشاف حقيقتها أمر ربما لا أستطيع كليا أن أفعله وإن فعلته سيكون من الصعب التعبير عنه.

سأقول ربما، ربما هنا ستجعلني اعترف بعجزي بداية، وتجعل القارئ يعرف أنني لا أقدم الحكمة الخالصة ولا أدعي الفهم الشامل. ربما أشعر يوما بصدق المشاعر التي أكنها اتجاه حبيبتي عندما أجد أنها أصبحت تمثل لي أكثر من حبيبة. عندما أجد أنها في وقت ضعفي قد أصبحت أمي، عندما تفاجئني أنها وقت حيرتي قد أصبحت أختي، عندما أحدثها عن هاجس يدور في ذهني كما أحدث صديقي، عندما أشعر بالرغبة في رعايتها كأنها ابنتي. إنني لا أستطيع الإحساس بصدق مشاعري اتجاه المرأة التي أحبها إلا عندما أجد أن علاقتي بها قد تعوض أي علاقة بيني وبين أي امرأة مهما كان الرابط بيني وبين هذه المرأة. 

قد أجد الهجوم الآن قد بدأ من طرف المرأة عليّ لأنني قد تحدثت بصيغة الرجل، ولكن كي أكون منصفا، أجد أن الحال بالنسبة لكم هو نفس الحال بالنسبة للرجال. عندما تشعرين أن حبيبك يمكنه أن يكون أبيكِ، أخيكِ، صديقِك، وولدِك. حينها يمكنك أن تطمئني ولو بدرجة ما إلى أن ما تشعرين به اتجاهه ليس مجرد ميل عاطفي. وأن حبيبك قد أصبح أكثر من حبيب.

ولو أن الأمر يتوقف على مدى يقيني مما أشعر به اتجاه المرأة التي أميل إليها، لتكفل الوقت بثبوته أو خفوته. كيف يمكن لي أن أتيقن من الحب في بلد نضب فيه الحب، تشققت فيه أراضي الحب بكل أشكاله، إن وطننا يجعلنا نشعر أننا نتآكل من فرط الحيرة والخوف. وكلما ازدادت حيرة المرء وخوفه كلما ازداد لجوئه لمن يتدثر به، صديق أو حبيبة أو معلم. إننا نحتاج لحالة الحب وننغمس فيها دون النظر لشخص الحبيب لأننا نحاول تعويض أنفسنا بشئ يهون علينا الحياة في هذه البلد الجدباء.

يقول تيري إيجلتون في نهاية كتابه بعنوان معنى الحياة: إن الحب ربما يكون من المفاهيم القليلة التي يمكن أن تجيب على السؤال الأبدي الخاص بمعنى الحياة.
ومع أن للحب الذي نشعر به اتجاه الآخرين الكثير من التجليات كحب الوالدين، الأشقاء، الأصدقاء، المعلمين، الأقارب وصولا للميل العاطفي المركب اتجاه الجنس الآخر. إلا إننا سنهتم بالنوع الأخير: وهو الميل العطفي اتجاه الطرف الآخر، أي الشعور أن هناك شئ ما يدفعك اتجاه امرأة بعينها مهما تفوقت عليها الأخريات من في الجمال. ونفس الشئ بالنسبة للمرأة: أن تشعر بالميل اتجاه رجل بعينه مهما تفوق عليه رجال آخرين في المركز الاجتماعي والمال وغيرها من الأشياء. وهذا الشعور يختلف في الكثير من طبيعة تركيبته عن الشعور بالدافع الجنسي والذي تتساوى فيه جميع النساء أمام الرجل، و يتساوى فيه جميع الرجال أمام المرأة.


فالشعور بالحب قد يكمن في اكتشاف أن هناك شخص بعينه هو من تشعر أنه يستطيع أن يمدك بالسكينة والمودة والرحمة. شخص يجعلك ترى أنه يمكنك أن تؤسس معه حياة يومية تتشاركا مباهجها وتتغلبا على صعوباتها. ومن الصعب أن تنشأ علاقة زواج سوية، خاصة في واقعنا المعاصر دون أن يكون الحب بمثابة أبجدية للعلاقة. فلا يمكن للشاعر أن يكتب قصيدة بلغة ليس بها حروف، ولا يمكن أن تبني بيتا دون لبنات. وأود هنا أن أتوقف لأوضح أن كلماتي هذه لا تعني الدعوة لأن يكون الشعور بالحب وحده هو السند الذي من ممكن أن يبنى عليه علاقة ارتباط حقيقية وأصيلة. فالأحرف وحدها ليست كافية لكتابة القصيدة دون خيال الشاعر وجهده، واللبنات لا يمكن أن تبني بيتا دون تصميم دقيق ومجهود كبير.


إن الحب أساس ولكنه ليس البناء، الأحرف ولكن ليس القصيدة. بدون أن تحب رفيق الحياة اليومية لا يمكنك أن تتحمل معه شظفها، ولا يمكنك أن تؤسس معه مناخ دافئ لتنشئة بذوركما ورعايتها. ولكن أيضا بالحب فقط ودون تضافر الكثير من الأفكار والعوامل سيكون من العسير أن تواجها تقلبات الحياة وصعابها، ناهيك عن التغلب عليها. فالمشاعر كثيرا ما تمر بفترت تقلب، خفوت، فتور وأحيانا أيضا نضوب. وهنا سيحتاج شريكا الحياة إلى شئ أكثر استقرارا من المشاعر المتقلبة بطبيعتها. وهذا ما سنحاول الإلمام بشئ يسير منه فيما هو قادم.


المشاعر تحتاج إلى فكر كي يعضد وجودها وتركن إليه وقت المحن. فيا كل امرأة ويا كل رجل: لا تبني حياتك إلا على الحب.. ولا تبنيها فقط على الحب.



الأحد، 20 يوليو 2014

نظرية ماكيويجو .. كيف كان سيراها أينشتاين

333 
 
وفي ليلة تختفي فيها الغيوم من السماء، أرى النجوم تتلألأ، جلست أحدق في الفضاء الشاسع، اتساءل كيف يمكن أن نفهم التمدد السريع الذي حدث للكون بعد ثوان  قليلة من حدوث الإنفجار الكبير، لطالما كان هذا السؤال لغزا يحير علماء الفلك والفيزياء. وكلما لاح في ذهني شيئا ربما يقودني إلى طريق لتفسير هذه الإشكالية، اصطدمت في طريقي بالشئ الوحيد الذي رآه أينشتاين ثابتا لا يتغير، وهو سرعة الضوء.

وفي يوم شتوي يمتلئ بالغيوم التي تضفي شيئا من الهدوء الذي يشوبه الشجن ويغلف الكون بروح تتأمل ذاتها، كنت ذاهبا إلى الجامعة سيرا على قدمي حينما سمعت صوتا خافتا من بين أركان ذهني المرهق يقول: إن كانت سرعة الضوء هي الثابت الوحيد الذي لا يتغير في هذا الكون كما رأى أينشتاين، فهذا لا يعني أن قيمتها في الثواني التي أعقبت الانفجار الكبير كانت كما هي عليه الآن. فلو افترضنا أن سرعة الضوء في اللحظات الأولى لنشأة الكون كانت أعلى بكثير مما هي عليه الآن، لربما ساعدنا هذا على فهم الكيفية التي ساهمت في تمدد الكون بهذا الشكل الكبير في وقت قياسي أقل مما توصلت إليه حسابات علماء الفيزياء النظرية والفلك حتى الآن.

الفقرة السابقة نقلتها بتصرف من كتاب أسرع من سرعة الضوء لـ العالم البرتغالي الشاب ” جواو ماكيويجو”. يعرض ماكيويجو تاريخا مكثفا  لكثير من أفكار الذين سبقوه والتي تستحق التأمل، يكتب لنا عن النظريات والفرضيات التي حاولت تفسير الكيفية التي حدث بها الانفجار الكبير أو بمعنى أشمل يحاول أن يخبرنا ما وصل إليه البشر لكي يفهموا كيف نشأ الكون. وعلى الرغم من معارضة الفيلسوف النمساوي لودفيج فيتجنشتاين –والذي يعتبره البعض أهم فيلسوف في القرن العشرين- لهذا السؤال الذي يركز على الكيفية التي نشأ بها الكون والذي دائما ما حاول استبداله بـ “لماذا نشأ الكون”، إلا إننا سنتناول اليوم الكيفية، أي ما اهتم به العلم.

يخبرنا ماكيويجو في كتابه عن قياسات إدوين هابل، نماذج ألكسندر فريدمان، نظرية الكون الانفجاري التوسعي لآلن كوث. يعرض تاريخية العلم بشكل رائق للغاية بحديثه عن قوانين نيوتن من ناحية والنسبية الخاصة والعامة من ناحية أخرى، ويصل بنا في نهاية رحلته لهذا التأريخ الرائع، والذي يمثل الجزء الأول من كتابه، إلى آخر ما توصل إليه علماء الفيزياء النظرية وهما نظريتان: نظرية الأوتار الفائقة و نظرية الجاذبية الكمية. ثم من هذه النقطة الآنية ينطلق بنا في الجزء الثاني من كتابه، ليتحدث عن فرضيته العلمية التي يصر دائما على التأكيد على أنها نتاج حدس تأملي قاده فهمه للرياضيات والفيزياء إلى بلورته في شكل قالب علمي ظهر لأول مرة كورقة بحثية.

يؤكد ماكيويجو على أن نظريته التي تفترض أن سرعة الضوء في بداية نشأة الكون كانت أعلى بكثير مما هي عليه الآن )والتي ربما تفسّر الكثير من الأشياء الغامضة بهذه الفترة الأولية في نشأة الكون( مازالت في نطاق الفرضية النظرية التي لم تخضع بعد لإثبات بالتجربة العملية. ولكن ألم تمر النسبية بعد نشرها بنفس ما تمر به اليوم نظرية ماكيويجو، مجرد فرضية علمية خاضعة للمعادلات الرياضية والتأملات الحدسية، حتى أتت اللحظة التي تم اثبات صحتها عن طريق التجربة، عندما لاحظ علماء الفلك في وقت الكسوف انحراف آشعة الضوء الآتية من النجوم عند مرورها بجسم ذو جاذبية عالية كالشمس.

والسؤال الذي يراودني عند هذا المو  ضع: كيف كان سيرى أينشتاين نظرية ماكيويجو! وهو الذي عانى من التجاهل من المجتمع الفيزيائي لأكثر من عام بعد نشره الورقة البحثية التي احتوت على النسبية الخاصة حتى أرسل له ماكس بلانك خطاب يسأله عن بعض النقاط الغامضة ويطلب منه ايضاحها. أينشتاين الذي دائما ما كان يرد على الفرضية المنغرقة في الاحتمالية واللايقين التي تنغمس فيها ميكانيكا الكم عند نيلز بور وهيزنبرج، والتي كانت تتعارض مع تصوره المتناسق للكون، بقوله: إن الله لا يلعب النرد. كيف كان سيرى أينشتاين نظرية ماكيويجو التي تنبثق من نقطة تقترب كثيرا من كونه الأنيق، والتي حاول فيها ماكيويجو أن يقدم تفسيرا استثنائيا لإشكالية علمية بالغة التعقيد.

لعلي أتخيل لو كان أينشتاين يحيى بيننا اليوم، يجلس على كرسيه ويمسك بقلمه ويضع علامات على بعض النقاط في ورقة ماكيويجو البحثية ثم يرفع ناظريه ليبتسم بهدوء في وجه العالم الشاب الجالس أمامه والذي ينتظر رأيا وحكما من أهم عالم في تاريخ الفيزياء. يشد أينشتاين على يد ماكيويجو، يقول له: إنهم سيسخرون منك، سيتهمونك بأنك تضيع وقتك في السعي وراء حماقة، ولكن يا بني لا تسمع لهم، ولتكمل ما بدأته، فلو كان صحيحا، ستتضح صحته يوما ما عن طريق التجربة العملية، وإن كان خطئا، فسيتعلم منه من سيأتي بعدك، فربما تكون السبب في إلهام أحدهم يوما ما، مثلما كنت السبب في إلهامك. إن تاريخ العلم لا يثبت شيئا سوى أن من جعلونا نقف اليوم على أرض صلبة من المعرفة هم من امتلكوا والفضول المثابرة.
 

الثلاثاء، 17 يونيو 2014

الأدب الآيروسي .. بين عزازيل وشيكاجو

محمود حسني




بداية يجب القول أنني أرى الكتابة الأدبية وخاصة الرواية هي أكثر ما يمكن أن يعبر عن التجربة الإنسانية، سواء التي مر بها الكاتب أو منهم حوله. ولأن التجربة الإنسانية عميقة ومتشعبة ومتعددة الجوانب، ولأن الجنس جزء أصيل من التجربة الإنسانية، فكان من الطبيعي أن يعبر الأدب عن الجنس كجزء أساسي من طبيعتنا الإنسانية، وهذا التناول يضفي الكثير من المصداقية على العمل الأدبي،ويجعله أقرب إلى القارئ. وكما أقول دائما، ليس المقصود بالصدق هو صدق الوقائع وتفاصيلها، بل صدق المشاعر والأفكار التي كتب بها الأديب عمله الروائي. ولهذا فإن تناول الجانب الجنسي من حيوات الشخصيات الروائية – سواء بشكل مباشر أو غير مباشر – يجعلنا نشعر بعمق التجربة الإنسانية، التي يعبر عنها الأديب وحقيقة ملامستها لنا ولهواجسنا ونوازعنا.
ولهذا، لم يكن السؤال هو: هل يجب أن يعبر الأدب عن الجانب الجنسي من التجربة الإنسانية أم لا. بل – في رأيي – كيف يمكن أن يعبر الأدب عن الجنس؟ كيف يمكن أن يكون للأدب الدور الأكثر رقيّاً في إضفاء معنى إلى الحياة الجنسية أكثر عمقاً من فكرة الاحتكاك الجسدي البدائي؟ ومن جهة أخرى، غالباً ما نجد هجوماً شديداً على التجربة الأدبية التي تتناول بين طياتها الحياة الجنسية لشخوصها، خاصة إن كان ظهور هذا العمل الأدبي في مجتمع محافظ، والذي يعتبر الجنس وفقاً لتقاليده من أكثر الأشياء سرية على الأقل كما يبدو على السطح. ودائما ما يتم تعليل الهجوم، بأن القضية ليست قضية تناول التجربة الجنسية لكن في الألفاظ التي يعبر بها الكاتب عن هذه التجربة.
ولكن أليس من الصعب للغاية في كثير من الأحيان، ألا يكون الأدب صريحاً ومستخدماً ألفاظاً قوية وصياغات واضحة في وصف التفاصيل الجنسية وربطها بأفكار الشخصيات ومسارات الأحداث، بل وجعل الجنس في أحيان كثيرة المحور الأساسي الذي يدور في فلكه حيوات الشخصيات، بل والدافع الخفي لتحركهم في مسارات الاحداث الروائية المتشابكة! ألن يصاب العمل بفتور وسطحية إن اعتمدنا غالبا على التلميح في كل موضع يخص الجانب الجنسي. فإن اتفقنا على احتياج العمل الأدبي في أحيان كثيرة إلى الوضوح والمباشرة في التعبير عن التجربة الجنسية وجعلها محور الأحداث ومحرك الشخصيات، فإننا بشكل أو آخر نقصد بكلامنا هذا ما يسمى بالأدب الأيروتيكي.
وتاريخ الأدب العربي سواء كان ذلك في الشعر وخصوصاً مع أبي نواس، أو في النثر وخصوصاً مع السيوطي، يجعلنا نعتقد أنه من الممكن أن يعبر الكاتب عن التجربة الجنسية كجزء من الحالة الانفعالية بكل تفاصيلها، دون ابتذال أو فجاجة، وبدرجات من الرقي أعلى بكثير مما تعودنا أن نرى في الأدب العربي المعاصر، الذي غالبا ما يهتم بإضفاء مسحة غربية على طريقته في التعبير عن التجربة الجنسية. وسيكون بديهياً إن راودنا عند هذا الموضع سؤال مفاده: هل المباشرة في التعبير تعني الابتذال أو الفجاجة؟ وهل أصبحت كل رواية تتحدث عن الجنس، وإن كان بعهر فج وبشكل يتسبب في الغثيان، يمكن أن نضعها تحت مصطلح الأدب الأيروتيكي؟ هنا سيكون الجدل كثيفاً، لا يستطيع أن يسعه هذا المقال.
وسأنتقل لأعرض رأيي في عملين روائيين أجدهما من الأعمال المهمة في الأدب العربي المعاصر وهما: شيكاجو لعلاء الأسواني، وعزازيل ليوسف زيدان. شيكاجو هي الرواية الثانية للأسواني بعد عمارة يعقوبيان. واستخدم فيها نفس عناصر روايته الأولى، حتى اسم الرواية كان يعبر عن مكان ما. وفي شيكاجو كما في عمارة يعقوبيان وأيضا كما في عمله الثالث “نادي السيارات”، سنرى أن لدى معظم شخوص الرواية حالة من الهياج الجنسي سواء كان ذلك طبيعياً أو شاذاً. هذه التوصيف المباشر والصريح لحالة الرغبة الجنسية المشتعلة دائماً، هي ما تسير بهم في مسارات أحداث، تأخذ الرواية الى الطريق الذي أراد الكاتب أن تسير فيه، أو على الأقل إلى الطريق الذي من الممكن أن يؤدي إليه تشابك العلاقات بين الشخصيات وتعقُد احتياجهم الجنسي.
يكتب الأسواني روايته وينسج أحداثها بلغة جريئة وصريحة بشكل لم يعتد عليه القارئ العربي، خاصة وإن كان مؤلف الرواية عربياً، وليس أجنبياً وروايته مترجمة. يجعلك الأسواني تتصور تفاصيل الأحداث وملامح الشخصيات وتفاعلاتهم مع بعضهم البعض بوضوح، قليلين هم القادرين على الوصول إليه. كما أنه استطاع في رواياته الثلاث أن يمزج بين الجنس والسياسة بشكل مباشر للغاية، ليجعلهم أسرى لبعضهم البعض. وكنت سأشكر كل ما قلته عن شيكاجو وأتوقف عند هذه النقطة، لولا ما وجدته من فجاجة في وصف المشاهد التي تتعلق بالتجربة جنسية لدى شخوص الرواية. وليس من الصعب على القارئ أن يفرق بين الفجاجة والجرأة، وبين المباشرة في الحديث عن الجنس والابتذال. لم يتوقف الأمر عند الفجاجة أو الابتذال، بل تخطى هذا الحد، ليصيبني الأسواني بالشعور بالغثيان بسبب ما احتواه الوصف من بذاءة من الصعب احتمالها.
هل يمكن هنا أن نلتقط أنفاسنا، ونقول أنه كان في وسع الأسواني فعليا أن يتجنب ما أشرت إليه من عيوب في عمله، بتجنبه الوقوع في فخ البذاءة! هل يضع الأدب الأيروتيكي، كمفهوم، حداً تكون بعده الأعمال المُغرِقة في البذاءة قد خرجت من تحت مظلته؟ لا .. لم يضع شيئا، ولا أظن أن الأكاديمين سيفعلوا هذا يوما ما. لا أظنهم يهتمون أن يُخرِجوا الأعمال المُغرِقة في تفاصيل الاحتكاك الجسدي الأشبه بالحيواني بين الشخصيات الروائية خارج دائرة الأدب الأيروتيكي. لا أظنهم سيسعون يوما لأن يُسهِموا بنقدهم في إخراج الجنس من شكله البهيمي الذي تقصده بعض الأعمال – عمدا – التي لا تريد شئ سوى المبيعات. هذا ظني، وأرجو أن يخيبوه.
أما عزازيل، فهي الرواية الأهم في مسيرة يوسف زيدان الأدبية. بل أظن أنها واحدة من أهم الروايات في الأدب العربي المعاصر. فالهيكل التاريخي المحكم والكثيف الذي أحاط  بالأحداث التي تدور في حقبة لا نعلم عنها شئ تقريبا، واللغة القوية والمتناغمة، ورسم الشخصيات وأحاسيسهم وانفعالاتهم، كل هذا يجعل المرء يحب عزازيل، ويتغلب على صعوبة اللغة أحياناً، وضعف خلفيته التاريخية أحياناً أخرى. أراد يوسف زيدان أن يواجهنا بحقيقتنا كبشر، أراد أن يجعلنا نرى صعوبة مقاومة الغواية. الراهب هيبا، الشخصية الرئيسية في العمل، والذي استسلم للغواية مرتين، بين امرأة أعطته كل شئ يمكن أن تعطيه امرأة لرجل، وامرأة كان التردد بين التمنع والاقبال سمتها الأساسية.
لا أخفي دهشتي من جمال وصفه للغاوية التي تعرض لها هيبا. ولكن كان هناك دائما شئ ما يفسد عليّ استمتاعي بالعمل، شئ له علاقة بتصوير هيبا وكأنه ينتظر بفارغ الصبر لحظات الغواية حتى يقع فيها، وكأن تعاليمه الكنسية لم تضع في نفسه أي مقاومة أو تساعده على التمنع! ثم تأتي نقطة أخرى، أرى أن لها أهمية خاصة، وهي فكرة سرعة وقوع المرأتان في غرام الراهب هيبا، والذي كما صوره زيدان، غليظ الملامح، صعيدي الوجه، لا يتمتع بأي وسامة. لم يخبرنا يوسف زيدان في روايته عما كان يجيش في صدورهما وجعلهما يميلان لهذا الرجل الذي تبدو ملامحه أقل من العادي، وليس هناك بينه وبينهما الكثير من الحديث الذي من الممكن أن يجعلهما يقعان في حبه لرجاحة عقله أو قوة شخصيته مثلاً. كيف وقعا في غرامه حد الغواية! كانت هذه الأسئلة تدور في ذهني، أثناء قراءتي لمشاهد الغواية، ما الذي يجعلهما يقدمان على هذا! ما هي الدوافع التي حركتهما إلى هذا المسار تحديداً! ولكنني لم أستطع أن أجد إجابة على هذه التساؤلات.
وفي الوقت الذي اهتم فيه الأسواني بإبراز الدوافع التي جعلت حالة الولع الجنسي لدى شخوص عمله مفهومة بالنسبة للقاري، افتقد يوسف زيدان هذا العنصر بشدة، مما أفقد وصفه شئ من الأصالة. وفي الوقت الذي أظهر يوسف زيدان جمال وأناقة لغته حتى في وصف الغواية، سقط الأسواني في فخ الابتذال حد الغثيان. والسؤال الذي يباغتني عند هذا الموضع: ما هي الدرجة التي يقترب بها كلا العملين من حدود عالم الأدب الأيروتيكي؟ وهل نستطيع أن نضمهما إلى الأعمال التي تقع تحت تعريف هذا النوع من الأدب، أم هما فقط تماسا مع حدود هذا العالم!
وأما بخصوص الأدب الأيروتيكي كمفهوم، فهل يمكن أن تقترب هذه المدرسة لتتقاطع مع المدرسة الرومانسية؟ وإن كان هذا التقاطع صعباً، فهل يمكن أن يساهم أدبائنا في رسم جسر بين هاتين المدرستين بإفراز كتابات روائية مُجدِدة وبها شئ أكثر أصالة وابتكارية؟ هل يمكن أن نجد، يوما ما، عملاً روائيا نشعر فيه بجمال ورقيّ فن الباليه، وحميمية وعمق العلاقة الجنسية، دون تناقض أو ابتذال!

السبت، 7 يونيو 2014

حولية الموسيقى

violin-monochrome-a-concept-hd-widescreen-248248 
إنني أعد نفسي قارئا تجرأ على الكتابة، وأرى أن ما قرأته أهم بكثير مما كتبته، لأن المرء يقرأ ما يريد، ولكنه يكتب ما يستطيع. خورخي لويس بورخيس



الكتابة فعل يجعله يلهث وكأنه يعدو. دائما ما ينتابه هذا الشعور عندما ينتهي من كتابة مقال لا يتعدى طوله الثلاث أو الأربع صفحات. فكيف هو الحال عندما يكتب عن الموسيقى! كم هو في غاية الصعوبة أن يعبر بالكلمات عن شئ أكثر جمالا وشفافية من الكلمات. فالموسيقى جزء من تكوينه النفسي والوجداني. عندما يستمع إلى الكمانجات وهي تبكي، عندما يجد الكونتراباص والتشيلو يلاحقا بكائها بنحيبهما، ثم يأتي البيانو ليخفف من وطئة كل هذا الحزن ببعض دقات الفرح المتردد، فيُصِرّ الترومبيت على أن يصدح عاليا معلنا غضبه على كل هذا الأسى، فيأتي الإبو ليعترض على هذا الغضب بهدوء ورقة.


عندما قرأ مسرحية الكونتراباص لـ باتريك سوزكيند، وجده كم هو حانقا على الكونتراباص لأن ليس هناك مقطوعة حقيقية كُتِبت من أجل هذه الآلة. آه يا سوزكيند لو كنت قد استمعت إلى تشيلو آدم هِرست ووجدت كم هو عظيم، آه لو كنت تأملت كم هو فذ تشيلو كنان أبو عفش. عندما استمع لكنان لأول مرة شعر أنه يتخطى بعض حواجز طبيعتنا البشرية، وكأن هناك حبل خفيّ يربطه بالوجود كله، وكأن روحه قد ذابت حبا في الخالق كما يقول الصوفية، أو كأنه قد أصبح ينتمي للإنسانية كلها كما يقول اللامؤلهين، وكأنه قد تحرر من أي قيد. هل كان سوزكيند سيغير رأيه لو كان قد استمع إليهما قبل أن يكتب مسرحيته التي هي من أجمل ما يمكن أن يعبر عن مونودرما المسرح.


إن الموسيقى هي الأخت الشقيقة للقراءة، هي صديقة الكتابة، عندما يشعر أن الإيقاع الذي يكتب به يفتقد شئ ما، يتذكر حينها أنه لم يستمع إلى الموسيقى أثناء الكتابة، يجد الخلل في كلماته وطريقته واضحا عندما لا تترك الموسيقى أثرها على قلمه.


إنه حائرا للغاية، لا يدري كيف تفعل الموسيقى كل ذلك به، لم يشعر يوما أنه يملك الخيار في الانتماء إليها والتأثر بها أو تجاهلها. فقد وجد نفسه يسمع صوت قلبه واضحا عندما ينتمي لإيقاعها. يتذكر ذات يوم أنه قد توقف عن سماع الموسيقى أكثر من الشهر بقليل، وفي هذه الفترة ذهب إلى مكان يركن إليه عندما يريد العزلة، فسمع نصير شمة يقول بعوده اللامعقول مقطوعته الثانية، فشعر حينها أن نبض قلبه قد اضطرب، وصعدت الدماء لرأسه مسرعة، وعندما تبع مقطوعته الثانية بهلال الصبا والتي كانت قالب موسيقي جديد اقترحه على قوالب الموسيقى العربية، لم يتمالك نفسه وترك عينيه تفيض بما أُرِيد لها أن تفيض. كان يريد أن يعلو صوت العود أكثر وأكثر، كان يريد أن يتلاشى بين أوتار عوده، وهل هناك ما هو أكثر شفافية من الذوبان بين أوتار عود موسيقيّ احتُلّت بلده. وكأن العود قد حمل كل أسى أهل المكان الذي جاء منه.


عندما يهجره فعل القراءة ويقاطعه، عندما يهزم نضوبه الفكري قدرة قلمه على الكتابة، لا يجد سوى الموسيقى دربا وسبيلا. عندما تركته حبيبته، عندما عادت إليّه، عندما مرر أنامله على تفاصيل وجهها الناعس، عندما قبّل الثنِيّات على جانبي عينيها، عندما غلبتهما النشوة صعودا وهبوطا وكأنهما كيانا واحدا، شعر وكأنه أسير إيقاع خفي، إيقاع لا يفهمه بدقة ولكن يحبه، ولا يمكنه العزوف عنه، أو التوقف عن الحنين إليه.
 

السيسي .. فتوة الحارة .. الأخ الكبير يراقبك

10334372_878358245523849_1733036642352036253_n 
هو الذي يمكنه أن يجلب الأمن للحارة، ولكن هل يستطيع أن يجلب الأمان؟ يهابه الجميع، يعرف كل ما يدور في حارتنا، لا يترك صبيانه دبة النملة إلا وأخبروه بها. لم يكن له أن يصبح فتوة الحارة الجديد إن لم يهزم فتوتها القديم. تمر حارتنا هذه الأيام بأزمة كبيرة. فعلى مدار سنوات طويلة، تكالب عليها الجميع وسرقها طوب الأرض، حتى أصبحت أشبه بخرابة كبيرة. كل من استطاع أن يهاجر منها فعل ذلك. لم يبق فيها سوى المتشردين والمتسولين والمغيبين والفتوات وصبيانهم وحفنة ممن لم يستطيعوا مهاجرتها لأسباب متعددة، ومعهم أهل الخير الذين رأوا في الهجرة منها ضعف وهروب.
يأتي الفتوة الجديد بدعم من غالبية كهول أهل الحارة ونظرة ريبة من شبابها، يأتي- كما يقول – ليخلصهم من شر الفتوة القديم. صراحة، منذ فترة طويلة لم تهلل الحارة لقدوم فتوة كما تهلل لهذا الجديد. طالما اشتكى أهل حارتنا من ظلم الفتوات وتجبّرهم في الأرض. ولكنهم اليوم يستقبلونه بالرقص والزغاريد. غريبة حقا هي حارتنا، هل فكر أهلها، ولو لمرة، أنها لا تحتاج لفتوة يحميها، بل لوكيل عنها وعن أهلها يُصرِّف شئونها وشئونهم بمشورتهم؟ هذا هو السؤال الذي أدعي أن نجيب محفوظ كان سيسأله لو كان حيّ يرزق بيننا.
ولكن نجيب محفوظ كتب الإجابة عن سؤاله منذ زمن. كتبها في روايته “أولاد حارتنا”.
فقال: “ومن عجب أهل حارتنا أنهم يضحكون! علام يضحكون؟ إنهم يهتفون للمنتصر أياً كان المنتصر، ويهللون للقوي أياً كان القوي، ويسجدون أمام النبابيت، يداوون بذلك كله الرعب الكامن في أعماقهم. غموس اللقمة في حارتنا الهوان. لا يدري أحد متى يجيء دوره ليهوي النبوت على هامته“

هل يمكن أن تطابق إجابة واقعنا الذي نحياه اليوم كما تطابقه هذه الكلمات!
ولكنني لا أكتفي بإجابة واحدة. مهما تجلت آيات الحكمة فيها. فها هو جورج أورويل يجلس مع نجيب محفوظ في قهوة ريش بوسط البلد ليحتسوا القهوة. يفكر جورج أورويل لبرهة من الزمن في إجابة محفوظ. تتردد بين جنبات رأسه صدى روايته “1984″ التي لا أظن أن هناك بشر يمكنه يوما ما أن يكتب شئ مثلها. ينظر له محفوظ بتأمل وعلى جانب شفتيه ابتسامة بسيطة ويسأله: لم كل هذا التفكير يا صديقي؟
يخرج جورج أورويل عن صمته وينفض خيالاته ويقول له بصوت مسموع ولكنه كمن يحدث نفسه: هل يمكن أن يكون الفتوة في أولاد حارتنا هو الأخ الكبير الذي يراقبنا جميعا في 1984! هل يمكن أن يكون الفتوة الذي يدعو الناس إلى تحمل المشقات والنوم نص بطن هو من يصدح إعلامه بدعوات التقشف وتقليل النفقات!
هل مازالت تُصدِق حارتك أعداءه الوهميين! هل مازالوا يظنون أنه – هو وحده – من يستطيع أن يوفر لهم الأمن ولو على حساب حريتهم! ما قيمة كل ما كتبنا إن كانوا مازالوا يصدقونه! هل سنظل نتأرجح بين أخ كبير يراقبنا أو فتوة حارة يذيق أهل حارته المرارة! إلى أين يمكن أن يقودنا هذا العبث! متى سينتزع أهل الحارة الخوف من قلوبهم، متى سيتوقف أعضاء الحزب عن نفاق الاخ الكبير. متى يمكننا أن نسير في بلادنا مرفوعي الرأس منتصبي الظهر!